عليهم وأومأ إلى غيره فلم يقنعوا إلا به فكان إمام القوم، وكان يوصف بالرأي.
فأما أول سيف سلّ من سيوف الخوارج فسيف عروة ابن أدية [4] وذلك أنه أقبل على الأشعث فقال: ما هذه الدنيئة يا أشعث وما هذا التحكيم أشرط أوثق من شرط الله عز وجل، ثم شهر عليه السيف والإشعث مولّ فضرب به عجز البغلة فشبّت البغلة [1] فنفرت اليمانية وكانوا جلّ أصحاب عليّ صلوات الله عليه، فلما رأى ذلك الأحنف قصد هو وجارية بن قدامة ومسعود بن فدكيّ بن أعبد وشبث بن ربعيّ الرياحيّ إلى الأشعث، فسألوه الصفح ففعل. وكان عروة ابن أدية نجا من حرب النّهروان فلم يزل باقيا مدة من خلافة معاوية ثم أتي به زياد ومعه مولى له فسأله عن أبي بكر وعمر فقال خيرا، ثم سأله فقال:
ما تقول في أمير المؤمنين عثمان بن عفّان وأبي تراب علي بن أبي طالب فتولّى عثمان ست سنين من خلافته ثم شهد عليه بالكفر، وفعل في أمر عليّ مثل ذلك إلى أن حكم ثم شهد عليه بالكفر. ثم سأله عن معاوية فسبه سبّا قبيحا ثم سأله عن نفسه فقال: أوّلك لزينة واخرك لدعوة وأنت بعد عاص لربك ثم أمر به فضربت عنقه، ثم دعا مولاه فقال: أأطنب أم أختصر، فقاله: بل اختصر فقال: ما أتيته بطعام بنهار قط ولا فرشت له فراشا بليل قط. وكان سبب تسميتهم الحرورية أن عليا لما ناظرهم بعد مناظرة ابن عباس رحمه الله إياهم، فكان مما قال لهم: ألا تعلمون أن هؤلاء القوم لما رفعوا المصاحف قلت لكم إن هذه مكيدة وهن، وأنهم لو قصدوا إلى حكم المصاحف لم يأتوني. ثم سألوني التحكيم أفعلمتم أنه كان منكم أحد أكره لذلك مني.
قالوا: اللهم نعم. قال فهل علمتم أنكم استكرهتموني على ذلك حتى أجبتكم إليه فاشترطت أنّ حكمهما نافذ ما حكما بحكم الله عز وجل، فإن خالفاه فأنا وأنتم من ذلك براء وأنتم تعلمون أن حكم الله لا يعدوني. قالوا: اللهم نعم وفيهم في ذلك الوقت ابن الكوّاء وهذا من قبل أن تذبحوا عبد الله بن خبّاب فإنما ذبحوه بكسكر في الفرقة الثالثة. فقالوا: حكّمت في دين الله برأينا ونحن
(1) فشبت البغلة: أي رفعت يديها حتى كادت تلقيه على الأرض.