ينبعث. وعدّت على الأحنف سقطة في هذا الباب، وهو أن عمرو بن الأهتم دسّ إليه رجلا ليسفّههه فقال له: أبا بحر ما كان أبوك في قومه، قال: كان من أوسطهم لم يسدهم ولم يتخلّف عنهم، فرجع إليه ثانية ففطن الأحنف أنه من قبل عمرو فقال: ما كان مال أبيك؟ فقال كانت له صرمة [1] يمنح منها ويقري ولم يك أهتم سلّاحا. وجعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرو بن العاص عن أمّه، ولم تكن في موضع مرضيّ، فأتاه الرجل وهو بمصر أمير عليها فقال، أردت أن أعرف أمّ الأمير، فقال نعم كانت من عنزة ثم من بني حلّان تسمّى ليلى وتلقّب النابغة، اذهب وخذ ما جعل لك. وقال له مرة المنذر بن الجارود أيّ رجل أنت [2] لولا أمّك؟ قال: فإني أحمد الله إليك إني فكّرت في هذه البارحة فأقبلت أنقلها في قبائل العرب فما خطرت لي عبد القيس [3] على بال.
ودخل عمرو مكة فرأى قوما من قريش قد جلسوا حلقة فلما رأوه رموه بأبصارهم فعدل إليهم فقال: أحسبكم كنتم في شيء من ذكري، قالوا: أجل كنا نميّل بينك وبين أخيك هشام، أيّكما أفضل؟ فقال عمرو: إن لهشام عليّ أربعة. أمّة ابنة هشام بن المغيرة وأمّي من قد عرفتم، وكان أحبّ إلى أبيه مني وقد عرفتم معرفة الوالد بالولد، وأسلم قبلي، واستشهد وبقيت. وقد أكثر الناس في الباب الذي ذكرناه وإنما نذكر من الشيء وجوهه ونوادره. قال رجل لرجل من ال الزبير كلاما أقذع له فيه فأعرض الزبيريّ عنه، ثم دار كلام فسب الزبيريّ علي بن الحسين فأعرض عنه، فقال له الزبيريّ، ما يمنعك من جوابي؟ فقال عليّ: ما منعك من جواب الرجل. وقد روي قول القائل لو قلت واحدة لسمعت عشرا فقال له الرجل. ولكنك لو قلت عشرا ما سمعت واحدة.
وقال الشاعر:
ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني ... فأجوز ثم أقول لا يعنيني
(1) الصرمة بالكسر القطعة من الابل.
(2) أي رجل أنت: يريد أنت رجل عظيم القدر راجح العقل نابه الذكر لولا أمك.
(3) فما خطرت لي عبد قيس على بال: هنا تعريض بالمنذر بن الجارود فإنه منهم.