وقال اخر:
سأكتمه سرّي وأحفظ سرّه ... ولا غرّني أني عليه كريم [1]
حليم فينسى أو جهول يضيعه ... وما الناس إلّا جاهل وحليم
وكان يقال أصبر الناس من صبر على كتمان سرّه ولم يبده لصديقه فيوشك أن يصير عدوّا فيذيعه. وقال اخر:
ولي صاحب سرّي المكتّم عنده ... مخاريق نيران [2] بليل تحرّق
عطفت على أسراره فكسوتها ... ثيابا من الكتمان لا تتخرّق
فمن تكن الأسرار تطفو بصدره ... فأسرار صدري بالأحاديث تغرق
فلا تودعنّ الدهر سرّك أحمقا ... فإنك إن أودعته منه أحمق
وحسبك في ستر الأحاديث واعظا ... من القول ما قال الأريب الموفّق
إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه ... فصدر الذي يستودع السرّ أضيق
وقال كعب بن سعد الغنويّ:
ولست بمبد للرجال سريرتي ... وما أنا عن أسرارهم بسؤل
ولا أنا يوما للحديث سمعته ... إلى ههنا من ههنا بنقول
وقد ذكرنا قول العباس بن عبد المطّلب رحمه الله لابنه عبد الله إنّ هذا الرجل قد اختصّك من دون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحفظ عني ثلاثا: لا يجرّبنّ عليك كذبا، ولا تفشينّ له سرّا، ولا تغتب عنده أحدا، فقيل لابن عباس: كلّ واحدة منهنّ خير من ألف دينار فقال: كل واحدة منهنّ خير من عشرة الاف.
(1) كريم: عزيز.
(2) مخاريق نيران: جمع مخراق وهو في الأصل ثوب لف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضا استعارها للشعل التي تشعل النار فيها.