فقال: لمن هذا؟ فقيل: لجرير. ثم غناه:
إن الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلا [1] بعينك ما يزال معينا [2]
غيّضن من عبراتهنّ وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
فقال: لمن هذا؟ فقالوا: لجرير. فقال الفرزدق: ما احوجه مع عفافه إلى خشونة شعري، واحوجني مع فسوقي إلى رقّة شعره. وقال الأحوص يوما لمعبد: امض بنا إلى عقيلة حتى نتحدث إليها ونسمع من غنائها وغناء جواريها، فمضيا فألفيا على بابها معاذا الأنصاريّ، ثم الزرقيّ [3] وابن صائد النجاري، فاستأذنوا عليها جميعا فأذنت لهم إلّا الأحوص، فإنها قالت: نحن غضاب على الأحوص. فانصرف الأحوص وهو يلوم أصحابه على استبدادهم، فقال:
ضنّت عقيلة لما جئت بالزاد ... واثرت حاجة الثاوي [4] على الغادي [5]
فقلت والله لولا أن تقول له ... قد باح بالسرّ أعدائي وحسّادي
قلنا لمنزلها حيّيت من طلل ... وللعقيق ألا حيّيت من وادي
إني جعلت نصيبي من مودتها ... لمعبد ومعاذ وابن صيّاد
لابن اللعين الذي يخبا الدخان له ... وللمغنّي رسول الزور قوّادي
أما معاذ فإني لست ذاكره ... كذاك أجداده كانوا لأجدادي
قال الزبيري: وكان معاذ جلدا فخاف الأحوص أن يضربه، فحلف معبد أن لا يكلم الأحوص ولا يتغنى في شعره، فشق ذلك على الأحوص فلما طالت هجرته إياه رحل نجيبا له وجعل طلاء في مذرع (والمذرع زقّ سلخ حين سلخ مما يلي الذراع)
(1) وشل: بالتحريك. الكثير من الدمع.
(2) المعين: بفتح الميم: الماء الجاري.
(3) الزرقي: نسب إلى بني زريق.
(4) الثاوي: المقيم.
(5) الغادي: المسافر.