عسى فارج الكرب عن يوسف ... يسخّر لي ربّة المحمل
فزوى سفيان وجهه، وأومأ بيده أن كفّ وقال: حلالا حلالا. ولقي ابن ابجر عطاء بن أبي رباح وهو يطوف، فقال: اسمع صوتا للغريض. فقال له عطاء: يا خبيث أفي هذا الموضع؟ فقال ابن ابجر: وربّ هذه البنيّة لتسمعنّه خفية أو لأشيدنّ به. فوقف له فتغنّى:
عوجي علينا ربّة الهودج ... إنّك إن لا تفعلي تحرجي
أنّى اتيحت لي يمانية ... إحدى بني الحرث من مذحج
نلبث حولا كاملا كلّه ... لا نلتقي إلّا على منهج
في الحج إن حجّت وماذا منى ... وأهله إن هي لم تحجج
فقال له عطاء الكثير الطيّب يا خبيث. وسمع سليمان بن عبد الملك متغنّيا في عسكره فقال: اطلبوه. فجاؤوا به فقال: أعد ما تغنّيت فتغنى واحتفل، وكان سليمان مفرط الغيرة، فقال لأصحابه: والله لكأنها جرجرة [1]
الفحل في الشول [2] ، وما أحسب انثى تسمع هذا إلّا صبت. ثم أمر به فخصي. وحدّثت أن الفرزدق قدم المدينة، فنزل على الأحوص بن عبد الله بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، فقال له الأحوص: ألا اسمعك غناء من غناء القرى. فأتاه بمغنّ فجعل يغنيه. فكان مما غنّاه:
أتنسى إذ تودّعنا سليمى ... بفرع بشامة سقي البشام [3]
ولو وجد الحمام كما وجدنا ... بسلمانين لاكتأب الحمام
فقال الفرزدق: لمن هذا؟ فقالوا: لجرير. ثم غناه:
اسرى لخالدة الخيال ولا أرى ... شيئا الذّ من الخيال الطارق
إن البلية من تملّ حديثه ... فانقع فؤادك من حديث الوامق
(1) الجرجرة: صدت البعير عند الضحى.
(2) الشوال: بفتح: فسكون، النوق التي شال لبنها وارتفع ويكون ذلك بعد سبعة أشهر من حملها أو ولادتها ومفرده شائلة وهو جمع على غير قياس.
(3) البشام: شجر طيب الريح.