بالعود، قال: فقدمت على الوليد بن يزيد وهو في مجلس ناهيك به مجلسا، فألفيته على سريره وبين يديه معبد ومالك بن أبي السمح، وابن عائشة، وأبو كامل غزيّل الدمشقيّ، فجعلوا يغنّون حتى بلغت النوبة إليّ فغنّيته:
سرى همّي [1] وهمّ المرء يسري ... وغار النجم إلّا قيد فتر
أراقب في المجرّة كلّ نجم ... تعرّض أو على المجراة يجزي
لهمّ ما أزال له قرينا ... كأنّ القلب أبطن حرّ جمر
على بكر أخي فارقت بكرا ... وأيّ العيش يصلح بعد بكر
فقال لي: أعد يا صام، ففعلت، فقال لي: من يقول هذا الشعر؟ فقلت، هذا بقوله عروة بن أذينة يرثي أخاه بكرا. فقال لي الوليد: وأي العيش يصلح بعد بكر. هذا العيش الذي نحن فيه والله قد تحجّر واسعا [2] على رغم أنفه.
وحدّثت أن سكينة بنت الحسين أنشدت هذا الشعر: فقالت ومن بكر؟ فوصف لها، فقالت: أذاك الأسيّد الذي كان يمر بنا والله لقد طاب كلّ شيء بعد ذاك حتى الخبز والزيت. وروى أصحابنا أن يزيد بن عبد الملك وأمّه عاتكة بنت يزيد بن معاوية وإليها كان ينسب قال يوما: يقال أن الدنيا لم تصف لأحد قطّ يوما، فإذا خلوت هذا فاطووا عني الاخبار ودعوني ولذّتي وما خلوت له. ثم دعا بحبابة، فقال: اسقيني وغنّيني فخلوا في أطيب عيش، فتناولت حبابة حبّة رمّان فوضعها في فيها، فغصّت بها فماتت، فجزع يزيد جزعا أذهله ومنع من دفنها حتى قال له مشايخ بني أميّة، إن هذا عيب لا يستقال وإنما هذه جيفة، فأذن في دفنها وتبع جنازتها. فلما واراها قال: أمسيت والله فيك، كما قال كثيّر:
فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو عنك لا بالتجلّد
وكلّ خليل راءني فهو قائل ... من اجلك هذا هامة اليوم أو غد
(1) سرى همي: أي دب إلى نفسي كما يقال سرى مرق الشجر إذا دب تحت الأرض.
(2) قد تحجر واسعا: أي ضيق على الناس وعلى نفسه.