استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال فلسنا نطمع في استخراجها إلا بما سمعت، فقال له الأحنف: يا هذا أمسك فإن ذا الوجهين خليق ألا يكون عند الله وجيها.
وقال رجل يهجو بلال بن البعير المحاربيّ (الشاعر الرمّاح ابن ميادة) :
يقولون أبناء البعير وما له ... سنام ولا في ذروة المجد غارب [1]
أرادت وذاكم من سفاهة رأيها ... لأهجوها لمّا هجتني محارب
معاذ إلهي انّني بعشيرتي ... ونفسي عن ذاك المقام لراغب
وقال أبو الطمحان القينيّ (اسمه حنظلة بن الشرقيّ والطمحان فعلان من طمح بأنفه وبصره إذا تكبّر والقين الحدّاد وكلّ صانع قين والقين أيضا موضع القيد من البعير) :
وإني من القوم الذين هم هم ... إذا مات منهم سيّد قام صاحبه
نجوم سماء كلّما غار كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم [2] ووجوههم ... دجى الليل [3] حتى نظّم الجزع [4] ثاقبه
وما زال منهم حيث كانوا مسوّد ... تسير المنايا حيث سارت ركائبه
وقال إياس بن الوليد يمدح قومه:
إني وجدّك من قوم إذا طلبوا ... بعد النسيئة دينا أحسنوا الطلبا
لا تحسبوا هجم أبياتي [5] علانية ... ولا استلاب سلاحي ذاهبا لعبا
تبقى المعاير [6] بعد القوم باقية ... ويذهب المال في ما كان قد ذهبا
وقال اخر:
(1) الغارب: من البعير هو ما بين العنق والسنام.
(2) الاحساب جمع حسب بالتحريك وهو ما يعد من مفاخر الاباء.
(3) دجى الليل: بالضم ظلمته.
(4) الجزع بفتح الجيم: الخرز اليماني فيه سواد وبياض وتشبه به الأعين ومعنى البيت أن حساب هؤلاء القوم واضحة ظاهرة نقية صافية بكاء صفاؤها يضيء للناس ظلام الليل حتى أن ناظم العقد ينظم فيه وهذه مبالغة شريفة.
(5) هجم: هدم.
(6) المعاير: المعايب ومعنى البيت هنا أن المال يذهب ويفنى وتبقى المعايب والمخازي.