وذلك أن الرواة احتملت هذا البيت على أنه كان يزجر الذئاب ونحوها مما يغير على الغنم، فيفتق مرارة السبع في جوفه. (ويروى: زجر أبي عروة السباع، بخفض السباع كما قيل قيس الرقيّات، فصار على هذا يعرف بأبي عروة السباع مثل ذلك) . فقال: من يطعن في هذا السبع أشدّ أيدا [1] من الغنم، فإذا فعل ذلك بالسبع هلكت الغنم قبله. فقال من يحتجّ له: أن الغنم كانت قد أنست بهذا منه، والصوت الرائع أنس لمن أنس به، كالرعد القاصف الذي لولا خشية صاعقته لم يفزع كبير فزع، ولو جاء أقلّ منه من جوف الأرض لذعر ولم يبعد أن يقتل إذا أتى من حيث لم يعتد. وجملة هذا البيت أنه وصف شدة صوت المذكور، وتأويله أنه من تكاذيب الأعراب. وحدّثت أن الحسن نظر إلى رجل يجود بنفسه فقال: إنّ أمرا هذا اخره لجدير بأن يزهد في أوله، وأن أمرا هذا أوله لجدير أن يخاف اخره. وقيل لرجل من أشراف العجم في علّته التي مات فيها: ما بك؟ قال فكر عجيب وحسرة طويلة.
فقيل: ممّ ذاك؟ فقال: ما ظنكم بمن يقطع سفرا قفرا بلا زاد، ويسكن قبرا موحشا بلا مؤنس، ويقدم على حكم عادل بلا حجّة. وقال بعض المحدثين، وهو محمود الورّاق:
بأيّ اعتذار أم بأيّة حجّة ... يقول الذي يدري من الأمر لا أدري
إذا كان وجه العذر ليس ببيّن ... فإنّ اطّراح العذر خير من العذر
واعتذر رجل إلى سلم بن قتيبة من أمر بلغه عنه فعذره، ثم قال له: يا هذا لا يحملنك الخروج من أمر تخلصت منه على الدخول في أمر لعلك لا تخلّص منه. وقيل لخالد بن صفوان [2] : أيّ إخوانك أحبّ إليك؟ فقال:
(1) الايد: بالفتح القوة والصلابة.
(2) خالد بن صفوان بن عبد الله بن عمرو بن الأهثم، أبو صفوان التميمي المنقري. أحد فصحاء العرب وخطبائهم، كان راوية للأخبار خطيبا مفوها بليغا. كان يجالس الخلفاء ومنهم هشام بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز، ويعظهم، توفي سنة 135هـ.
أنظر معجم الأدباء 11/ 3524، الوافي بالوفيات، والفهرست، والأغاني في مواقع متفرقة.