والشاهدان قد ثبتا، فشكا ذلك إلى عبيد الله فقال له عبيد الله: أنا أحضر مجلس الحكم معك فاتيك بالجليّة إن شاء الله تعالى. فقال للشاهدين: ليس للقاضي أن يسألكما كيف شهدتما ولكن أنا أسألكما، قال: فقالا: أراد هذا أن يحجّ فأدارنا على حدود الدار من خارج وقال: هذه داري فإن حدث بي حادث فلتبع ولتقسم على سبيل كذا. قال: أفعندكما غير هذه الشهادة؟ قالا:
لا. فقال: الله أكبر وكذا ففهما أنهما قد اغترّا. فكان سوّار إذا سأل عن عدالة الشاهد يتبع المسألة أن يقول: أفحائز العدالة هو؟ فظننت أن عبيد الله رأى في الشاهد غفلة فاختبره بهذا وما أشبهه. وحدثني أحد أصحابنا أن رجلا من الأعراب تقدم إلى سوّار في أمر فلم يصادف عنده ما يحبّ فاجتهد فلم يظفر بحاجته، قال: فقال الأعرابي وكانت في يده عصا:
رأيت رؤيا [1] ثم غرّتها ... وكنت للأحلام عبّارا
بأنّني أخبط في ليلتي ... كلبا فكان الكلب سوّار
ثم انحنى على سوّار بالعصا فضربه حتى منع منه. قال: فما عاقبه سوّار بشيء. قال: وحدّثت أن أعرابيا من بني العنبر سار إلى سوّار فقال: إن أبي مات وتركني وأخا لي، وخطّ خطين في الأرض. ثم قال: وهجينا، وخطّ خطّا ناحية، فكيف نقسم المال؟ فقال أههنا وارث غيركم؟ قال: لا. قال: المال بينكم أثلاثا فقال: لا أحسبك فهمت عني، إنه تركني وأخي وهجينا لنا. فقال سوار: المال بينكم أثلاثا. قال: فقال الأعرابي: أيأخذ الهجين [2] كما اخذ وكما يأخذ أخي؟ قال: أجل. فغضب الأعرابي. قال: ثم أقبل على سوّار فقال: تعلّم والله إنك قليل الخالات بالدهناء. فقال سوّار: إذا لا يضيرني في ذلك عند الله شيئا (قيل إنه ليس بالدهنا أمة وإنما كان فيها الحرائر) وكان عقيل بن علّفة من الغيرة والأنفة على ما ليس عليه أحد علمناه، فخطب إليه
(1) يقال عبرت الرؤيا تعبيرا وعبرتها من باب نصر: أوّلها وفسّرها وأخبر بما يؤدي إليه أمرها.
(2) الهجين: من الناس والخيل. من قبل الأم إذا كان الأب عتيق والأم ليست كذلك.