محمد بن الجهم لما كانت أيام الزطّ [1] أدمنت الفكر وأمسكت عن القول فأصابتني حبسة [2] في لساني. وقال رجل من الأعراب يذكر اخر منهم:
كأنّ فيه لففا [3] إذا نطق ... من طول تحبيس وهمّ وأرق
وقال رجل لخالد بن صفوان: إنك لا تكثر: فقال: أكثر لضربين أحدهما فيما لا تغني فيه القلّة، والاخر لتمرين اللسان فإن حبسه يورث العقلة. وكان خالد يقول: لا تكون بليغا حتى تكلّم أمتك السوداء في الليلة الظلماء في الحاجة المهمّة بما تتكلم به في نادي قومك. فإنما اللسان عضو إذا مرّنته مرن، وإذا أهملته خار، كاليد التي تخشّنها بالممارسة، والبدن الذي تقوّيه برفع الحجر وما أشبهه، والرجل إذا عوّدت المشي مشت. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تزالون أصحّاء ما نزعتم ونزوتم، فنزعتم في القسيّ ونزوتم على ظهور الخيل. وقال بعض الحكماء: لا ينبغي للعاقل أن يخلي نفسه من ثلاث في غير إفراط: الأكل والمشي والجماع. فأما الأكل فإن الأمعاء تضيق لتركه، وكان ابن الزبير رحمه الله يواصل في ما ذكروا بين خمس عشرة من يوم وليلة ثم يفطر على سمن وصبر ليفتق أمعاءه. قال أبو العباس:
قال الأول: والمشي إن لم تتعهده أوشكت أن تطلبه فلا تجده. والجماع كالبئر إن نزحت [4] جمّت [5] وإن تركت تحيّر [6] ماؤها، وحقّ هذا كله القصد. وقوله:
كأنّ عليهم شروق الطفل، يريد تألّق الحديد كأنه شمس طالعة عليهم وإن لم تكن شمس. وأحسن من هذا قول سلامة بن جندل:
كأنّ النعام باض فوق رؤوسهم ... وأعينهم تحت الحديد جواحم
(1) الزط: بالضم: جيل من السودان والهنود وهم طوال الأجسام ضعفاء.
(2) الحبسة: بالضم تعذر الكلام عند إرادته.
(3) اللفف: العي بالكلام والبطء به.
(4) نزحت البئر: استقي ماؤها حتى نفذ.
(5) جمت: تراجع ماؤها.
(6) تحير الماء: تردد والحائر مجتمع الماء.