فإني وتركي الإنس [1] من بعد حبّهم ... وصبري عمّن كنت ما إن أزايله [2]
لكا لصقر [3] جلّى بعد ما صاد فتية ... قديرا ومشويّا عبيطا خرادله
أهابوا [4] به فازداد بعدا وصدّه ... عن القرب منهم ضوء برق ووابله
ألم ترني صاحبت صفراء نبعة [5] ... لها ربديّ [6] لم تفلّل معابله
وطال احتضاني السيف حتى كأنما ... يلاط بكشحي جفنه وحمائله
أخو فلوات صاحب الجنّ وانتحى ... عن الإنس حتى قد تقضّت وسائله
له نسب الإنسيّ يعرف نجره ... وللجنّ منه شكله وشمائله
قوله: وصبري عمّن كنت ما إن أزايله: إن زائدة وهي تزاد مغيّرة للاعراب وتزاد توكيدا وهذا موضع ذلك، فالموضع الذي تغيّر فيه الاعراب هو وقوعها بعد ما الحجازية. تقول ما زيد أخاك وما هذا بشرا، فإذا أدخلت إن هذه بطل النصب بدخولها. فقلت: ما إن زيد منطلق. قال الشاعر (هو فروة بن مسيك المراديّ) :
وما إن طبنا [7] جبن ولكن ... منايانا [8] ودولة [9] اخرينا
فزعم سيبويه أنها منعت العمل. كما منعت ما إنّ الثقيلة أن تنصب. تقول إن زيدا منطلق فإذا أدخلت ما صارت من حروف الابتداء، ووقع بعدها المبتدأ
(1) الأنس: البشر.
(2) أزايله: أفارقه.
(3) الصقر: كل شيء يصيد من البزاة.
(4) أهابوا به: زجروه ونفروه شبه نفسه وقد ترك من يحبه ولا يصبر على مفارقته بالصقر، ترك ما صاده وقد ظفر به حين ما رأى فتية أهابوا به وزجروه عن صيده.
(5) النبعة: واحده النبعي وهو شجر للقسي وللسهام ينبت في قلة الجيل.
(6) الربدي: محركا: وتر القوس.
(7) الطب: مثلث الطاء الشاق والعادة والجبن ضعفت القلب وهيبة الأمر فلا يقدم عليه
(8) المنايا: جمع منية وهي الموت.
(9) الدولة: بالفتح وهي الانتقال من حال الشدة إلى حال الرخاء يصف قومه بالشجاعة والاقدام وإن كان فيه فناؤهم وحياة قوم اخرين.