اسمع يا أمير المؤمنين، ثم أقبل عليه وقال: ويحك فمن العير والنفير غيري! جدّي أبو سفيان صاحب العير وجدّي عتبة بن ربيعة صاحب النفير، ولكن لو قلت غنيمات وحبيلات والطائف ورحم الله عثمان لقلنا صدقت. أما قوله في العير فهي عير؟ قريش التي أقبل بها أبو سفيان الشأم، فنهد اليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وندب اليها المسلمين وقال: لعلّ الله ينفلكموها [1] فكانت وقعة بدر، وساحل أبو سفيان بالعير فكانت الغنيمة ببدر، كما قال الله عز وجل: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللََّهُ إِحْدَى الطََّائِفَتَيْنِ أَنَّهََا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذََاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} ، أي غير الحرب [2] فلما ظفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل بدر قال المسلمون انهد بنا يا رسول الله الى الغير. فقال العباس رحمه الله: انما وعدكم الله إحدى الطائفتين. واما النفير فمن نفر من قريش ليدفع عن العير، فجاؤوا فكانت وقعة بدر وكان شيخ القوم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وهو جدّ خالد من قبل جدّته هند أم معاوية بنت عتبة. ومن أمثال العرب:
لست في العير يوم يحدون بالعير ولا في النفير يوم النفير.
ثم انتشر هذا المثل حتى صار يقال لمن لا يصلح لخير ولا لشر ولا يحفل به: لا في العير ولا في النفير. وقوله: غنيمات وحبيلات، يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أطرد الحكم بن أبي العاصي بن أميّة وهو جدّ عبد الملك بن مروان لجأ إلى الطائف فكان يرعى غنيمات ويأوي إلى حبيلة وهي الكرمة.
وقوله رحم الله عثمان، أي لردّه إياه، وقولنا أطرده، أي جعله طريدا. وطرده نحّاه كما تقول حمدته أي شكرته وأحمدته أي صادفته محمودا، وكان عثمان رحمه الله استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ردّه متى أفضى الأمر إليه روى ذلك الفقهاء.
العير ويأمرهم بالرجوع، فأبت قريش أن ترجع ورجعت بنو زهرة، فصادفهم أبو سفيان منصرفين، فقال يا بني زهرة لا في العبر ولا في النفير ومضت قريش إلى بدر وكان ما كان بها والعير بالكسر القافلة والإبل تحمل الميرة لا واحد لها من لفظها والنفير الجماعة من الناس ينفرون معك ويتقدمون في الأمر.
(1) من النفل بالتحريك وهو الغنيمة.
(2) سورة الأنفال: الاية 7.