وأوقف عند الأمر ما لم يضح له ... وأمضى إذا ما شكّ من كان ماضيا
فالذي يحمد إمضاء ما تبين رشده فأما الاقدام على الغرر وركوب الأمر على الخطر فليس بمحمود عند ذوي الألباب وقد يتحسّن بمثله الفتّاك كما قال
(هو سعد بن ناشب المازنيّ عن الرياشيّ وغيره) :
عليكم بداري فاهدموها فإنها ... تراث كريم لا يخاف العواقبا
إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه ... وأعرض عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في رأيه غير نفسه ... ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
فهذا شأن الفتّاك، وقال الاخر:
غلام إذا ما همّ بالفتك لم يبل ... ألامت قليلا أم كثيرا عواذله
وقال اخر:
وما العجز إلا أن تشاور عاجزا ... وما الحزم إلا أن تهمّ فتفعلا
فأما قول عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه من أكثر الفكرة في العواقب لم يشجع، فتأويله أنه من فكّر في ظفر قرنه به وعلوّه عليه لم يقدم. وإنما كان الحزم عند عليّ رضي الله عنه أن يحظر أمر الدين ثم لا يفكّر في الموت وقد قيل له، أتقتل أهل الشام بالغداة وتظهر بالعشيّ في إزار ورداء؟ فقال:
أبا لموت أخوّف، والله ما أبالي أسقطت على الموت أم سقط الموت عليّ، وقال للحسن ابنه: لا تبدأ بدعاء إلى مبارزة، فإن دعيت إليها فاجب، فإنّ طالبها باغ فالباغي مصروع. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنة يلتفّ في كسائه وينام في ناحية المسجد فلما ورد بالمرزبان عليه. (كذا وقعت الرواية المرزبان [1] والصواب الهرمزان وكان صاحب تسترا) جعلوا يسألون عنه فيقال مرّ ههنا انفا فيصغر في قلب المرزبان إذ راه كبعض السّوق حتى انتهى إليه وهو نائم في ناحية المسجد. فقال المرزبان: هذا والله الملك الهنيء، يقول لا يحتاج إلى أحراس ولا عدد. فلما جلس عمر امتلأ قلب العلج منه هيبة لما رأى عنده من الجدّ والاجتهاد وألبس من هيبة التقوى. وقال الكلبيّ: قال
(1) المرزبان أو الهرمزان وقد اشترك هذا المجوسي مع المسلم في التامر على قتل الخليفة عمر.
والهرمزان لقب للكبير من قوم العجم.