يقول: لست أحتاج إلى أن أرحل إلى غيره، وقد عاب بعض الرّواة قوله فاشرقي بدم الوتين، وقال: كان ينبغي أن ينظر لها مع استغنائه عنها، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصارية المأسورة بمكة وقد نجت على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني نذرت إن نجوت عليها أن أنحرها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لبئس ما جزيتها، وقال: لا نذر في معصية ولا نذر للانسان في غير ملكه. ومما لم يعب في هذا المعنى قول عبد الله بن رواحة الأنصاريّ لما أمّره رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد زيد وجعفر على جيش مؤتة [1] :
إذا بلّغتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك [2] فانعمي وخلاك ذمّ ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي
الحساء جمع حسي وهو موضع رمل تحته صلابة، فإذا مطرت السماء على ذلك الرمل نزل الماء فمنعته الصّلابة أن يغيض، ومنع الرمل السّمائم أن تنشفّه، فإذا بحث ذلك الرمل أصيب الماء يقال حسي وأحساء وحساء ممدودة. وقوله: ولا أرجع إلى أهلي ورائي مجزوم لأنه دعاء، فقوله لا هي الجازمة له ومعناه، اللهم لا أرجع كما تقول، يقول زيد ولا يغفر الله له فهذا الدعاء ينجزم بما ينجزم به الأمر والنهي، كما تقول زيد ليقم وزيد لا يبرح وقد اتّبع ذو الرمّة الشّماخ في قوله:
إذا ابن أبي موسى بلالا بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر [3]
الوصل المفصل بما عليه من اللحم يقال قطع الله أوصاله ويقال وصل وكسر وجدل في معنى واحد.
(1) مؤتة: بالضم. موضع بمشارف الشام قتل فيه جعفر بن أبي طالب وفيه كانت تشتهر صناعة السيوف.
(2) فشأنك: أي إذهبي وشأنك وانعمي بالّا واستريحي من عناء السفر وقد برئت من الذم ثم دعا الله سبحانه ألايرجع إلى أهله خرجا بالشهادة في سبيله ومؤشرا لها على الرجوع.
(3) هذا دعاء عليها بالموت والهلاك والفأس حديده معروفة.