وامتهن في حاجتنا نفسه. فقال الرجل: إن السّؤدد فيكم لغال. ولسلم يقول القائل:
يسوّد أقوام وليسوا بسادة ... بل السّيد المعروف سلم بن نوفل
قال معاوية لعرابة بن أوس بن قيظيّ الأنصاريّ: بم سدت قومك؟ فقال:
لست بسيدهم ولكني رجل منهم فعزم عليه. فقال: أعطيت في نائبتهم وحلمت عن سفيههم وشددت على يدي حليمهم فمن فعل منهم مثل فعلي فهو مثلي، ومن قصّر عنه فأنا أفضل منه، ومن تجاوزه فهو أفضل مني وكان سبب ارتفاع عرابة أنه قدم من سفر فجمعه الطريق والشّماخ بن ضرار المري.
فتحادثا فقال له عرابة: ما الذي أقدمك المدينة، قال قدمت لأمتار [1] منها. فملأ له عرابة رواحله برّا وتمرا وأتحفه بغير ذلك. فقال الشّماخ:
رأيت عرابة الأوسيّ يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين [2]
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقّاها عرابة باليمين [3]
إذا بلّغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين [4]
ومثل سراة قومك لم يجاروا ... إلى ربع الرّهان ولا الثمين [5]
قوله: تلقّاها عرابة باليمين، قال أصحاب المعاني معناه بالقوّة وقالوا: مثل ذلك في قول الله عزّ وجل: {وَالسَّمََاوََاتُ مَطْوِيََّاتٌ بِيَمِينِهِ} [6] وقد أحسن كلّ الإحسان في قوله:
إذا بلّغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين
(1) امتار: أجلب الطعام لأهلي.
(2) القرين: الصاحب.
(3) كناية عن القوة والرغبة، يقول إذا ظهرت راية المجد والشرف راى طريقة إليه باد واستيق بعزم وقوة.
(4) الوتين: عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه وهذا الكلام كناية عن الهلاك والدعاء عليها بالموت لأنه لا يحتاج إليها بعد.
(5) الثمين: لغة في الثمن.
(6) سورة الزمر: الاية 67.