قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى شَرَوْا: بَاعُوا؛ فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا: وَلَبِئْسَ مَا بَاعَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ تَعَلُّمِ السِّحْرِ لَوْ كَانَ يَعْلَمُ سُوءَ عَاقِبَتِهِ
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} وَقَدْ قَالَ قَبْلُ: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} فَكَيْفَ يَكُونُونَ عَالِمِينَ بِأَنَّ مَنْ تَعَلَّمَ السِّحْرَ فَلَا خَلَاقَ لَهُمْ، وَهُمْ يَجْهَلُونَ أَنَّهُمْ بِئْسَ مَا شَرَوْا بِالسِّحْرِ أَنْفُسَهُمْ؟
قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي تَوَهَّمْتَهُ مِنْ أَنَّهُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْجَهْلِ بِمَا هُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْعِلْمِ بِهِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: وَمَا هُمْ ضَارُّونَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ، وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ. فَقَوْلُهُ: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} ذَمٌّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِعْلَ الْمُتَعَلِّمِينَ مِنَ الْمَلَكَيْنِ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَخَبَرٌ مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ بِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ بِرِضَاهُمْ بِالسِّحْرِ عِوَضًا عَنْ دِينِهِمْ الَّذِي بِهِ نَجَاةُ أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْهَلَكَةِ، جَهْلًا مِنْهُمْ بِسُوءِ عَاقِبَةِ فِعْلِهِمْ وَخَسَارَةِ صَفْقَةِ بَيْعِهِمْ، إِذْ كَانَ قَدْ يَتَعَلَّمُ ذَلِكَ مِنْهُمَا مَنْ لَا يَعْرِفُ اللَّهَ وَلَا يَعْرِفُ حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ وَأَمْرَهُ وَنَهْيَهُ. ثُمَّ عَادَ إِلَى الْفَرِيقِ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ نَبَذُوا كِتَابَهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ. فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ مَنِ اشْتَرَى السِّحْرَ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ، وَوَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ يَرْكَبُونَ مَعَاصِيَ اللَّهِ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ بِهَا، وَيَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُؤْثِرُونَ اتِّبَاعَ الشَّيَاطِينِ، وَالْعَمَلَ بِمَا أَحْدَثَتْهُ مِنَ السِّحْرِ عَلَى الْعَمَلِ بِكِتَابِهِ وَوَحْيهِ وَتَنْزِيلِهِ، عِنَادًا مِنْهُمْ وَبَغْيًا عَلَى رُسُلِهِ، وَتَعَدِيًّا مِنْهُمْ