وَقَالَ آخَرُونَ: الْخَلَاقُ هَهُنَا: الْقِوَامُ
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى الْخَلَاقِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: النَّصِيبُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيُؤَيِّدَنَّ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِأَقْوَامٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ» يَعْنِي لَا نَصِيبَ لَهُمْ وَلَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ وَالدِّينِ.
وَمِنْهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ:
[البحر البسيط]
يَدْعُونَ بِالْوَيْلِ فِيهَا لَا خَلَاقَ لَهُمْ ... إِلَّا سَرَابِيلَ مِنْ قِطْرٍ وَأَغْلَالِ
يَعْنِي بِذَلِكَ: لَا نَصِيبَ لَهُمْ وَلَا حَظَّ إِلَّا السَّرَابِيلُ وَالْأَغْلَالُ. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} مَا لَهُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ حَظٌّ مِنَ الْجَنَّةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِيمَانٌ وَلَا دِينٌ وَلَا عَمَلٌ صَالِحٌ يُجَازَى بِهِ فِي الْجَنَّةِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ لَهُ حَظٌّ وَنَصِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ.
وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} فَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ لَا نَصِيبَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ يَعْنِي بِهِ لَا نَصِيبَ لَهُ مِنْ جَزَاءٍ وَثَوَابٍ وَجَنَّةٍ دُونَ نَصِيبِهِ مِنَ النَّارِ. إِذْ كَانَ قَدْ دَلَّ ذَمُّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَفْعَالَهُمُ الَّتِي نَفَى مِنْ أَجْلِهَا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ عَلَى مُرَادِهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا نَصِيبَ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْخَيْرَاتِ، وَأَمَّا مِنَ الشُّرُورِ فَإِنَّ لَهُمْ فِيهَا نَصِيبًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}