وَأَمَّا قَوْلُهُ {بِبَابِلَ} فَإِنَّهُ اسْمُ قَرْيَةٍ أَوْ مَوْضِعٌ مِنْ مَوَاضِعِ الْأَرْضِ،
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا بَابِلُ دَنْبَاوَنْدَ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «بَلْ ذَلِكَ بَابِلُ الْعِرَاقِ»
وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى السِّحْرِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ خِدَعٌ وَمَخَارِيقَ وَمَعَانٍ يَفْعَلُهَا السَّاحِرُ، حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَى الْمَسْحُورِ الشَّيْءَ أَنَّهُ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ، نَظِيرُ الَّذِي يَرَى السَّرَابَ مِنْ بَعِيدٍ، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ مَاءٌ، وَيَرَى الشَّيْءَ مِنْ بَعِيدِ فَيُثْبِتُهُ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَكَرَاكِبِ السَّفِينَةِ السَّائِرَةِ سَيْرًا حَثِيثًا يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّ مَا عَايَنَ مِنَ الْأَشْجَارِ وَالْجِبَالِ سَائِرٌ مَعَهُ.
قَالُوا: فَكَذَلِكَ الْمَسْحُورُ ذَلِكَ صِفَتُهُ، يَحْسِبُ بَعْدَ الَّذِي وَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِ السَّاحِرِ أَنَّ الَّذِيَ يَرَاهُ أَوْ يَفْعَلُهُ بِخِلَافِ الَّذِي هُوَ بِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ
عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُحِرَ كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَلَمْ يَفْعَلْهُ»
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثَانِ: أَنَّ يَهُودَ بَنِي زُرَيْقٍ، عَقَدُوا عَقْدَ سِحْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلُوهَا فِي بِئْرِ حَزْمٍ حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْكِرُ بَصَرَهُ ودَلَّهُ اللَّهُ عَلَى مَا صَنَعُوا، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بِئْرِ حَزْمٍ الَّتِي فِيهَا الْعَقْدُ فَانْتَزَعَهَا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «سَحَرَتْنِي يَهُودُ بَنِي زُرَيْقٍ»