الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ}
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ} الَّذِي تَتْلُو.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا: وَاتَّبَعُوا الَّذِي تَتْلُو الشَّيَاطِينُ.
وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {تَتْلُوا} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {تَتْلُوا} تُحَدِّثُ وَتَرْوِي وَتَتَكَلَّمُ بِهِ وَتُخْبِرُ، نَحْوَ تِلَاوَةِ الرَّجُلِ لِلْقُرْآنِ وَهِيَ قِرَاءَتُهُ. وَوَجَّهَ قَائِلُو هَذَا الْقَوْلِ تَأْوِيلَهُمْ ذَلِكَ إِلَى أَنَّ الشَّيَاطِينَ هِيَ الَّتِي عَلَّمَتِ النَّاسَ السِّحْرَ وَرَوَتْهُ لَهُمْ
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {مَا تَتْلُوا} مَا تَتَّبِعُهُ وَتَرْوِيهِ وَتَعْمَلُ بِهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ عَنِ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمُ اتَّبِعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى عَهْدِ سُلَيْمَانَ بِاتِّبَاعِهِمْ مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِينُ. وَلِقَوْلِ الْقَائِلِ: هُوَ يَتْلُو كَذَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا الِاتِّبَاعُ، كَمَا يُقَالُ: تَلَوْتُ فُلَانًا إِذَا مَشَيْتُ خَلْفَهُ وَتَبِعْتُ أَثَرَهُ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ}
يَعْنِي بِذَلِكَ تَتْبَعُ. وَالْآخَرُ: الْقِرَاءَةُ وَالدِّرَاسَةُ، كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ يَتْلُو الْقُرْآنَ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَقْرَؤُهُ وَيَدْرُسُهُ، كَمَا قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
[البحر الطويل]
نَبِيٌّ يَرَى مَا لَا يَرَى النَّاسُ حَوْلَهُ ... وَيَتْلُو كِتَابَ اللَّهِ فِي كُلِّ مَشْهَدِ
وَلَمْ يُخْبِرْنَا اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِأَيِّ مَعْنَى التِّلَاوَةِ كَانَتْ تِلَاوَةُ الشَّيَاطِينِ الَّذِينَ تَلَوْا مَا تَلَوَهْ مِنَ السِّحْرِ عَلَى عَهْدِ سُلَيْمَانَ بِخَبَرٍ يَقْطَعُ الْعُذْرَ.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الشَّيَاطِينُ تَلَتْ ذَلِكَ دِرَاسَةً وَرِوَايَةً وَعَمَلًا، فَتَكُونُ كَانَتْ مُتَّبِعَتَهُ بِالْعَمَلِ، وَدِرَاسَتِهِ بِالرِّوَايَةِ، فَاتَّبَعَتِ الْيَهُودُ مِنْهَاجَهَا فِي ذَلِكَ وَعَمِلَتْ بِهِ وَرَوَتْهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} فِي مُلْكِ سُلَيْمَانَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَضَعُ فِي مَوْضِعَ عَلَى وَعَلَى فِي مَوْضِعِ فِي، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ}
يَعْنِي بِهِ: عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ، وَكَمَا قَالَ: فَعَلْتُ كَذَا فِي عَهْدِ كَذَا وَعَلَى عَهْدِ كَذَا، بِمَعْنَى وَاحِدٍ.