وَهَذَا قَوْلٌ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِنَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا تَدَافَعُوا قَتْلَ قَتِيلٍ، فَانْتَفَى كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ قَاتِلَهُ، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} وَاللَّهُ مُعْلِنٌ مَا كُنْتُمْ تُسِرُّونَهُ مِنْ قَتْلِ الْقَتِيلِ الَّذِي قَتَلْتُمْ ثُمَّ ادَّارَأْتُمْ فِيهِ.
وَمَعْنَى الْإِخْرَاجِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْإِظْهَارُ وَالْإِعْلَانُ لِمَنْ خَفِيَ ذَلِكَ عَنْهُ وَإِطْلَاعُهُمْ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} يَعْنِي بِذَلِكَ: يُظْهِرُهُ وَيُطْلِعُهُ مِنْ مَخْبَئهِ بَعْدَ خَفَائِهِ. وَالَّذِي كَانُوا يَكْتُمُونَهُ فَإِخْرَاجُهُ هُوَ قَتْلُ الْقَاتِلِ الْقَتِيلَ، كَمَا كَتَمَ ذَلِكَ الْقَاتِلُ وَمَنْ عَلِمَهُ مِمَّنْ شَايَعَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَظْهَرَهُ اللَّهُ وَأَخْرَجَهُ، فَأَعْلَنَ أَمْرَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ أَمْرَهُ. وَعَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {تَكْتُمُونَ} تُسِرُّونَ وَتَغِيبُونَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) }
يَعْنِي جَلَّ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَقُلْنَا} لِقَوْمِ مُوسَى الَّذِينَ ادَّارَءُوا فِي الْقَتِيلِ الَّذِي قَدْ تَقَدَّمَ وَصْفُنَا أَمْرَهُ: اضْرِبُوا الْقَتِيلَ. وَالْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {اضْرِبُوهُ} مِنْ ذِكْرِ الْقَتِيلِ {بِبَعْضِهَا} أَيْ بِبَعْضِ الْبَقَرَةِ الَّتِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِذَبْحِهَا فَذَبَحُوهَا.