فكتب إليه الحجاج: أما بعد، فإن الله عز وجل قد فعل بالمسلمين خيرا وأراحهم من حدّ الجهاد، وكنت أعلم بما قبلك، والحمد لله رب العالمين فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقسم في المجاهدين فيئهم ونفّل الناس على قدر بلائهم، وفضّل من رأيت تفضيله، وإن كانت بقيت من القوم بقية فخلّف خيلا تقوم بإزائهم، واستعمل على كرمان من رأيت وولّ الخيل شهما من ولدك، ولا ترخّص لأحد في اللحاق بمنزله دون أن تقدم بهم عليّ، وعجّل القدوم إن شاء الله. فولّى المهلّب ابنه يزيد كرمان، وقال له: يا بنيّ إنك اليوم لست كما كنت، إنما لك من مال كرمان ما فضل عن الحجّاج، ولن تحتمل إلا على ما احتمل عليه أبوك. فأحسن إلى من معك، وإن أنكرت من إنسان شيئا فوجّهه إليّ وتفضّل على قومك.
وقدم المهلّب على الحجاج فأجلسه إلى جانبه. وأظهر إكرامه وبرّه، وقال: يا أهل العراق أنتم عبيد المهلّب، ثم قال: أنت والله كما قال لقيط الإياديّ:
وقلّدوا أمركم لله درّكم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا [1]
لا يطعم النوم [2] إلا ريث [3] يبعثه ... همّ يكاد حشاه يقصم الضلعا
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عضّ مكروه له خشعا
ما زال يحلب هذا الدهر أشطره [4] ... يكون متّبعا طورا ومتّبعا
(1) مضطلعا: من الضلاعة وهي القوة يقال اضطلع فلان بحمله إذا قوي عليه ونهض به.
(2) يطعم: يذوق.
(3) لا ريث يبعثه يريد إلا قدر ذلك وأكثر ما يستعمل هذا اللفظ إذا كان مقرونا بما تقول جاءني فلان فلم يلبث إلا أينما قلت أي إلّا قدر ذلك وقد يستعمل بغيرها.
(4) أشطره بدل من الدهر. بدل من اشتمال أو بعض من كل والأشطر جمع شطر وهو خلف الناقة وللناقة أخلاف. يقال فلان حلب الدهر أشطره أي اختبر ضروبه من خير وشر.