عليه السلام: في حرب الخندق لسعد بن عبادة وسعد بن معاذ وهما سيدا الحيّين الخزرج والأوس: أئتيا بني قريظة فإن كانوا على العهد فأعلنا بذلك، وإن كانوا قد نقضوا ما بيننا فالحنا [1] لي لحنا أعرفه، ولا تفتّا في أعضاد المسلمين. فرجعا بغدر القوم فقالا: يا رسول الله عضل والقارة. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين: أبشروا فإن الأمر ما تحبّون. (قال الأخفش: سالت المبرّد عن قولهما عضل والقارة، فقال هذان حيان كانا في نهاية العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أنهم في الأنحراف عنه والغدر به كهاتين القبيلتين) . قال أبو العباس: فكان المهلب ربما صنع الحديث ليشدّ به من أمر المسلمين ويضعّف من أمر الخوارج، فكان حيّ من الأزد يقال لهم الندب إذا رأوا المهلب رائحا إليهم قالوا قد راح المهلّب ليكذب. وفيه يقول رجل منهم:
أنت الفتى كلّ الفتى ... لو كنت تصدق ما تقول
فبات المهلب في ألفين، فلما أصبح رجع بعضهم المنهزمة فصار أربعة الاف، فخطب أصحابه. فقال: والله ما بكم من قلّة، وما ذهب عنكم إلا أهل الجبن والضعف والطمع والطبع {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} [2] فسيروا إلى عدوّكم على بركة الله. فقام إليه الحريش بن هلال فقال:
أنشدك الله أيها الأمير أن تقاتلهم إلا أن يقاتلوك فإن بالقوم جراحا وقد أثخنتهم هذه الجولة. فقبل منه. ومضى المهلب في عشرة فأشرف على عسكر الخوارج، فلم ير منه أحدا يتحرك. فقال له الحريش: ارتحل عن هذا الموضع، فارتحل فعبر دجيلا وصار إلى عاقول لا يؤتي إلا من وجه واحد، فأقام به واستراح الناس ثلاثا. وقال ابن قيس الرقيّات.
ألا طرقت من ال ببة طارقه ... على أنها معشوقة الدل عاشقه
تبيت وأرض السّوس بيني وبينها ... وسولاف رستاق حمته الأزارقه
إذا نحن شئنا صادفتنا عصابة ... حرورية أضحت من الدين مارقه
(1) يقال لحنت لفلان إذا قلت له قولا يفهمه ويخفى على غيره.
(2) سورة ال عمران الاية رقم 140.