فهرس الكتاب

الصفحة 771 من 949

ورزقه أربعة الاف درهم في كل شهر وجعل عمالته في كل سنة مائة ألف، فكان أبو الخير يقول: ما رأيت شيئا خيرا من لزوم الطاعة والتقلب بين أظهر الجماعة فلم يزل واليا حتى أنكر منه زياد شيئا فتنمّر لزياد فحبسه. فلم يخرج من حبسه حتى مات. وقال الرهين وكان رجلا من مراد وكان لا يرى القعود عن الحرب، وكان في الدهاء والمعرفة والشعر والفقه يقول الخوارج بمنزلة عمران بن حطّان، وكان عمران بن حطان في وقته شاعر قعد الصفريّة ورئيسهم ومفتيهم. وللرهين المراديّ ولعمران بن حطان مسائل كثيرة من أبواب العلم في القران والاثار، وفي السير والسنن، وفي الغريب والشعر نذكر منها طريفها إن شاء الله، قال المرادي:

يا نفس قد طال في الدنيا مراوغتي ... لا تأمننّ لصرف الدهر تنغيصا

إني لبائع [1] ما يفنى لباقية ... إن لم يعقني رجاء العيش تربيها

وأسأل الله بيع النفس محتسبا ... حتى ألاقي في الفردوس حرقوصا

(قال الأخفش حرقوص ذو الثديّة) :

وأسال الله بيع النفس محنيا ... حتى ألاقي في الفردوس حرقوصا

وابن المنيح ومرداسا وإخوته ... إذ فارقوا زهرة الدنيا مخاميصا [2]

قال أبو العباس: وهذه كلمة له، وله أشعار كثيرة في مذاهبهم. وكان زياد ولّى شيبان بن عبد الله الأشعري صاحب مقبرة بني شيبان باب عثمان وما يليه. فجدّ في طلب الخوارج، وأخافهم وكانوا كثروا، فلم يزل كذلك حتى أتاه ليلة وهو متكىء بباب داره رجلان من الخوارج فضرباه بأسيافهما فقتلاه.

وخرج بنون له للإغاثة، فقتلوا ثم قتلهما الناس. فأتي زياد بعد ذلك برجل من الخوارج فقال: اقتلوه متّكئا كما قتل شيبان متكئا فصاح الخارجي! يا عدلاه، يهزأ به. فأما قول جرير:

(1) أنى لبائع ما يغني لباقيه: يذكر أنه اشترى الآخرة بالدنيا.

(2) مخاميصا: أي ضامري البطون كناية عن الزهد في الدنيا وقلة ما يملكون منها رغبة عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت