على قلته وضؤولته، فقال له ابن عباس: إنه احتاج إلى الماء والهدهد قنّاء [1]
الأرض له كالزجاجة يرى باطنها من ظاهرها، فسأل عنه لذلك. قال ابن الأزرق: قف يا وقّاف، كيف يبصر ما تحت الأرض والفخّ يغطّى له بمقدار اصبع من تراب فلا يبصره حتى يقع فيه فقال ابن عباس: ويحك يا ابن الأزرق أما علمت أنه إذا جاء القدر عشي البصر [2] ! ومما سأله عنه: {الم ذََلِكَ الْكِتََابُ} [3] ، فقال ابن عباس: تأويله هذا، القران هكذا جاء، ولا أحفظ عليه شاهدا عن ابن عباس، وأنا أحسبه أنه لم يقبله ألا بشاهد. وتقديره عند النحويين إذا قال ذلك الكتاب أنهم قد كانوا وعدوا كتابا. هكذا التفسير كما قال جل ثناؤه: {فَلَمََّا جََاءَهُمْ مََا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} [4] . يعني بذاك اليهود، وقال: يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فمعناه: هذا الكتاب الذي كنتم تتوقّعونه.
وبيت خفاف ابن ندبة على ذلك يصح معناه. وكان من خبره أنه غزا مع معاوية بن عمرو أخي خنساء مرّة وفزارة فعمد ابنا حرملة دريد وهاشم المريّان عمد معاوية [5] . فاستطرد له أحدهما فحمل عليه معاوية فطعنه وحمل الاخر على معاوية فطعنه متمكنا، وكان صميم الخيل. فلما تنادوا: قتل معاوية! قال خفاف بن ندبة وهي أمه، وكانت حبشية، وأبوه عمير أحد بني سليم بن منصور قتلني الله إن رمت حتى أثأر به، فحمل على مالك بن حمار، وهو سيد بني شمخ بن فزارة فطعنه فقتله. فقال خفاف بن ندبة:
وإن تك خيلي قد أصيب صميمها ... فعمدا على عيني تيمّمت مالكا
وقفت له علوى وقد خام [6] صحبتي ... لأبني مجدا أو لأثأر هالكا
أقول له والرمح يأطر متنه ... تأمّل خفافا إنني أنا ذلكا
(1) الهدهد قناء: أي عالم بمواضع الماء في الأرض.
(2) عشي البصر: ساء وضعف.
(3) سورة البقرة: الاية رقم 21.
(4) سورة البقرة: الاية 89.
(5) عمد: أي فعل مثل فعله.
(6) خام: أي نكص.