حتى صار إلى الأبيات التي أنشدها ابن الزبير فقال له معاوية: يا أبا بكر أما ذكرت انفا أن هذا الشعر لك؟ قال: أنا أصلحت معانيه وهو ألفّ [1] الشعر وهو بعد ظئري [2] فما قال من شيء فهو لي. وكان عبد الله بن الزبير مسترضعا في مزينة. وحدّثت أن عمر بن عبد العزيز كتب في إشخاص إياس بن معاوية المزنيّ وعديّ بن أرطاة الفزاريّ أمير البصرة وقاضيها يومئذ، فصار إليه عديّ فقرّب أن يمزّنه [3] عند الخليفة فقال: يا أبا وائلة إن لنا حقا ورحما. فقال إياس:
أعلى الكذب تريدني! والله ما يسرّني أني كذبت كذبة يغفرها الله لي ولا يطّلع عليها إلّا هذا وأومأ إلى أبيه ولي ما طلعت عليه الشمس.(قال أبو الحسن التمزين المدح، ولم أسمع هذه اللفظة إلّا من أبي العباس، وهي عندي مشتقة من المازن وهو النمل، وبهذا سميت مازن كأنه أراد منه أن يكبّره، ويروى يكثّره. قال القتبيّ: المازن بيض النمل. قال الشيخ قوله: أن يمزّنه عند الخليفة أي كأنه يجعله سيّد مزينة لأنه كان مزنيّا، والصواب يمزّره.
قال الموصليّ:
وإني مع ذا الشيب حلو مزير. ولم يكن في القضاة، وإنما كان أميرا على البصرة إن مات عمروا كتب عمر إلى عدي: إجمع ناسا ممن قبلك وشاورهم في اياس بن معاوية والقاسم بن ربيعة واستقض أحدهما فولّى عديّ إياسا).
ويروى أن أخا إياس صار إلى ابن هبيرة فقال: طرقني اللصوص فحاربتهم فهزمتهم وظفرت منهم بهذا المغول [4] فجعله ابن هبيرة تحت مصلّاه، ثم بعث إلى الصياقلة فأحضرهم فقال: أيعرف منكم الرجل عمله؟ قالوا: نعم.
فأخرج المغول فقال: من عمل أيّكم هذا؟ فقال قائل منهم: أنا عملت هذا واشتراه مني هذا أمس. (المغول سيف صغير) .
(1) وهو ألف الشعر من اللفف بالتحريك وهو ما يمنع الانسان من الفصاحة، يريد أنه لا يبين في شعره عما يريد ولا يفصح.
(2) وهو بعد ظئري: أي زوج مرضعتين.
(3) حزن فلان فلانا مدحه. وفضله عند ذي سلطان.
(4) المغول: كمنبر سيف قصير يشتمل به الرجل تحت ثيابه.