التراب. يقال: رمس فلان في قبره، وأشعار الحطيئة في هذا الباب كثيرة ولولا أنها معروفة مشهورة لأتينا على اخرها، ولكننا نذكر منها شيئا مختارا.
فمن ذلك قوله:
جزى الله خيرا والجزاء بكفّه ... على خير ما يجزي الرجال بغيضا
فلو شاء إذ جئناه ضنّ فلم يلم ... وصادف منّا في البلاد عريضا
كذا وقعت الرواية منّا والصواب منئا [1] ، أي بعدا، مأخوذ من نأيت إذا بعدت ومنه النأي). يقول كثرت محاسنه حتى كذّب ذامّه فاستغنى عن أن يكثرّ مادحه ثقة بأنّ هاجيه غير مصدّق، فاعتبر هذا الكلام فإنك تجده رأسا في بابه. ومن ذلك قوله:
وإني قد علقت بحبل قوم ... أعانهم على الحسب الثراء
إذا نزل الشتاء بجار قوم ... تجنّب جار بيتهم الشتاء
هم الاسون أمّ الرأس لمّا ... تواكلها الأطبّة والإساء
ثم قال يخاطب الزبرقان ورهطه:
ألم أك نائيا فدعوتموني ... فجاء بي المواعد والدعاء
فلما كنت جاركم أبيتم ... وشرّ مواطن الحسب الإباء
ولما كنت جارهم حبوني ... وفيكم كان لو شئتم حباء
فلما أن مدحت القوم قلتم ... هجوت وهل يحلّ لي الهجاء
ولم أشتم لكم حبا ولكن ... حدوت بحيث يستمع الحداء
ويروى أن الحطيئة واسمه جرول بن أوس ويكنى أبا مليكة: مرّ بحسان بن ثابت وهو ينشد (ش أدخله سيبويه رحمه الله على أن الجفنات من الجمع الكثير) :
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحى [2] ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
(1) منئا: مكانا بعيدا.
(2) على البيت ماخذ. فاللمعان في الضحى شيء لا يعتد به، والأسياف جمع قلة وفي نجدة، تعني لم يبدأ القتال.