فظهرت رائحة الشراب منك لم امن أن يظنّ بي فدع النبيذ وكن أوّل داخل عليّ واخر خارج عني، فقال له حارثة: أنا لا أدعه لمن يملك ضرّي ونفعي أفأدعه للحال عندك. قال فاختر من عملي ما شئت، قال: تولّيني رام هرمز [1]
فإنها أرض عذاة [2] وسرّق فإن بها شرابا وصف لي فولاه إياهما، فلما خرج شيّعه الناس فقال أنس بن أبي أنيس:
أحار بن [3] بدر قد وليت إمارة ... فكن جرذا [4] فيها تخون وتسرق
ولا تحقرن يا حار شيئا وحدته ... فحظّك من ملك العراقين سرّق
وباه تميما بالغنى أن للغنى ... لسانا به المرء الهيوبة [5] ينطق
فإن جميع النّاس إمّا مكذّب ... يقول بما يهوى وإما مصدّق
يقولون أقوالا ولا يعلمونها ... ولو قيل هاتوا حقّقوا لم يحقّقوا
ورثى حارثة بن بدر زيادا وكان زياد مات بالكوفة ودفن بالثويّة فقال:
صلى الإله على قبر وطهّره ... عند الثويّة يسفي فوقه المور [6]
زفّت إليه قريش نعش سيدها ... فثمّ كلّ التقى والبرّ مقبور
أبا المغيرة والدنيا مفجّعة ... وإنّ من غرّت الدنيا لمغرور [7]
قد كان عندك بالمعروف معرفة ... وكان عندك للنكراء تنكير
وكنت تعشى وتعطى المال من سعة ... إن كان بيتك أضحى وهو مهجور
الناس بعدك قد خفّت حلومهم ... كأنما نفخت فيها الأعاصير [8]
(1) رام هرمز: بلد بولاية خوزستان من أعمال العراق.
(2) العذاة: بالفتح الأرض الطيبة البيعدة عن الماء.
(3) أحار الهمزة للنداء: وحار مر فم حارث.
(4) الجرذ ضرب من الفار.
(5) الهيوبة من الهيبة وهي المخافة والتعبة والهيوب الجبال الذي يخاف الناس.
(6) المور: بالضم الغبار المتردد في الهواء والذي تثيره الرياح وسفت الريح أتراب أي ذرته وحملته.
(7) النكراء المنكر وهو ضد المعروف والتنكير تغير المنكر كالأنكار.
(8) الأعاصير: الرياح القوية.