شكوت فقالت كلّ هذا تبرّما ... بحبّي أراح الله قلبك من حبي
فلما كتمت الحبّ قالت لشدّ ما ... صبرت وما هذا بفعل شجي القلب
وأدنو فتقصيني فأبعد طالبا ... رضاها فتعتدّ التباعد من ذنبي
فشكواي تؤذيها وصبري يسوءها ... وتجزع من بعدي وتنفر من قربي
فيا قوم هل من حيلة تعرفونها ... أشيروا بها واستوجبوا الشكر من ربي
قوله: كلّ هذا تبرمأ مردود على كلامه كأنها تقول له: أشكوتني كلّ هذا تبرّما؟ ولو رفع كلا لكان جيدا يكون كل هذا مبتدأ وتبرّم خبره. وشجي مخفف الياء ومن شدّدها فقد أخطأ والمثل: ويل للشجي من الخليّ، الياء في الشجي مخففة وفي الخليّ مثقلة وقياسه انك اذا قلت فعل يفعل فعلا فالاسم منه على فعل نحو فرق يفرق فرقا، فهو فرق، وحذر يحذر حذرا فهو حذر، وبطر يبطر بطرا فهو بطر، فعلى هذا شجي يشجي شجى فهو شج يا فتى كما تقول هوي يهوي هوى، فهو هو يا فتى. وقوله فيا قوم هل من حيلة تعرفونها موضع تعرفونها خفض لأنه نعت للحيلة وليس بجواب، ولو كان ههنا شرط يوجب جوابا لا نجزم، تقول ائتني بدابة أركبها، أي بدابّة مركوبة، فاذا أردت
معنى: فانك أن أتيتني بدابة ركبتها قلت: أركبها لأنه جواب الأمر كما أن الأول جواب الاستفهام.
وفي القران: {خُذْ مِنْ أَمْوََالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهََا} [1] أي مطهّرة لهم. وكذلك: {أَنْزِلْ عَلَيْنََا مََائِدَةً مِنَ السَّمََاءِ تَكُونُ لَنََا عِيدًا} [2] أي كائنة لنا عيدا، وفي الجواب: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا} [3] . أي إن تركوا خاضوا ولعبوا.
وأما قوله عز وجل: {ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [4] ، فانما هو فذرهم في هذه الحال لأنهم كانوا يلعبون. وكذلك {لََا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [5] انما هو ولا تمنن مستكثرا. فمعنى ذاهل من حيلة معروفة عندكم، وقال اعرابي أنشدنيه أبو العالية:
ألا تسأل المكيّ ذا العلم ما لذي ... يحل من التقبيل في رمضان
فقال لي المكّي أمّا لزوجة ... فسبع وأما خلّة فثماني
قوله: خلّة، يريد ذات خلة ويكون سمّاها بالمصدر كما قالت الخنساء:
فانما هي إقبال وإدبار. ويجوز أن تكون نعتتها بالمصدر ولكثرته منها ويجوز أن تكون أرادت: ذات إقبال وإدبار، فحذفت المضاف وأقامت المضاف اليه مقامه.
كما قال عز وجل: {وَلََكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ} [6] فجائز أن يكون برّ من امن بالله وجائز أن يكون لكنّ ذا البرّ من امن بالله والمعنى يؤول إلى شيء واحد وفي هذا الشعر عيب وهو الذي يسميه النحويون العطف على عاملين
(1) سورة التوبة: الاية 103.
(2) سورة المائدة: الاية 114.
(3) سورة الزخرف: الاية 83والمعارج: الاية 42.
(4) سورة الأنعام: الاية 61.
(5) سورة المدثر: الاية 6.
(6) سورة البقرة: الاية 177.