بصره يقول: اتبعه بصره وحدّد اليه النظر، وانشد الأصمعي وهو للكميت بن زيد):
ما زلت أرمقهم والال يرفعهم ... حتى اسمدرّ بطرف العين إتاري [1]
ويروي عن أسماء بن خارجة انه قال لا أشاتم رجلا ولا أردّ سائلا، فإنما هو كريم أسدّ خلّته أو لئيم أشتري عرضي منه. ويروي عن الأحنف بن قيس أنه قال: ما شاتمت رجلا مذ كنت رجلا، ولا زحمت ركبتاي ركبتيه، وإذا لم أصل مجتديّ حتى ينتج جبينه عرقا كما ينتح الحميت، فو الله ما وصلته.
قوله مجتديّ يريد الذي يأتيه يطلب فضله، يقال: اجتداه يجتديه واعتفاه يعتفيه واعتراه يعتريه واعترّه يعترّه وعراه يعروه إذا قصده يتعرّض لغائلة، وأصل ذلك مأخوذ من الجدي مقصور وهو المطر العامّ النافع. يقال: اصابتنا مطرة كانت جدى على الأرض، فهذا الاسم فإذا أردت المصدر قلت: فلان كثير الجداء [2]
ممدود، كما تقول: كثير الغناء عنك ممدود. هذا المصدر، فإذا أردت الاسم الذي هو خلاف الفقر قلت: الغنى بكسر أوله وقصرت. قال خفاف بن ندبة يمدح أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه:
ليس لشيء غير تقوى جداء ... وكلّ شيء عمره للفناء
ان أبا بكر هو الغيث [3] إذ ... لم تشمل الأرض سحاب بماء
تالله لا يدرك أيامه ... ذو طرّة [4] حاف ولا ذو حذاء
من يسع كي يدرك أيامه ... يجتهد [5] الشدّ بأرض فضاء
وهذا من طريف الشعر لأنه ممدود فهو بالمد الذي فيه من عروض السريع الأولى وبيته في العروض:
(1) أرمقهم: من رمق أي نظر، الال السراب ضحى أسمدر كل وخسر، أتاري بصري.
(2) جداء: بالمد واصله القصر ومعناه النفع مستعار من الجدي وهو العطية، وهنا يقصد إلى أنه ما من شيء جدي على المرء سوى التقوى.
(3) الغيث: المطر.
(4) الطره: الإجتهاد.
(5) الاجتهاد: بذل الوسع.