يرحمك الله وأيّنا يفعل ما يقول! لودّ الشيطان إنه ظفر بهذه منكم فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر. وقال مطرّف بن عبد الله لابنه: يا عبد الله العلم أفضل من العمل، والحسنة بين السيّئتين وشرّ السير الحقحقة. قوله: الحسنة بين السيئتين، [1] يقول الحقّ بين فعل المقصّر والغالي، ومن كلامهم خير الأمور أوساطها وقوله: وشرّ السير الحقحقة وهو أن يستفرغ المسافر جهد ظهره فيقطعه فيهلك ظهره ولا يبلغ حاجته. يقال: حقحق السير إذا فعل ذلك. وقال الراجز:: وانبتّ فعل السائر المحقحق. (فعل بالنصب الرواية الصحيحة لأنه مصدر معنى) وحدثت أن الحسن لقي سابق الحاج [2] وقد أسرع فجعل يومىء إليه باصبعه فعل الغازلة وهو يقول: خرقاء [3] وجدت صوفا، وهذا مثل من أمثال العرب يضربونه للرجل الأحمق الذي يجد مالا كثيرا فيعيث فيه. وشبيه بهذا المثل قوله: عبد وخلا [4] في يديه. ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغّض إلى نفسك عبادة ربّك فإن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. قوله: متين المتين الشديد.
قال الله عزّ وجل: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [5] وقوله: فأوغل فيه برفق، يقول: أدخل فيه هذا أصل الوغول. ويقال مشتقا من هذا للرجل الذي يأتي شراب القوم من غير أن يدعى إليه، واغل ومعناه أنه وغل في القوم وليس منهم. قال امرؤ القيس:
حلّت لي الخمر وكنت امرا ... عن شربها في شغل شاغل
فاليوم أسقى غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل
(1) الحسنة بين السيئتين وهما: التقصير والغلو والحسنة: الاعتدال.
(2) سابق الحج: من يتقدم وفد الحج.
(3) خرقاء: وجدت صوفا قالوا هي المرأة من قريش وجدت صوفا ومالا فأفسدت.
(4) عبد وخلي في يديه! عبد خبر مبتدأ محذوف أي هو عبد وهذا عبد. وخلى تصغير خلى بالقصر وهو الرطب من النبات وهذا المثل يضرب للرجل الليئم يفوض إليه الأمر فيعبث فيه.
(5) سورة القلم: الاية 45.