وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا وَصَفْنَا، إِذْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الظَّاهِرُ الْمَفْهُومُ بِالْآيَةِ دُونَ غَيْرِهِ. وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ: (لَا تَقُولُوا رَاعِنًا) بِالتَّنْوِينِ، بِمَعْنَى: لَا تَقُولُوا قَوْلًا رَاعِنًا، مِنَ الرُّعُونَةِ وَهِيَ الْحُمْقُ وَالْجَهْلُ. وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ لِقُرَّاءِ الْمُسْلِمِينَ مُخَالِفَةٌ، فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ الْقِرَاءَةُ بِهَا لِشُذُوذِهَا وَخُرُوجِهَا مِنْ قِرَاءَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ وَخِلَافِهَا مَا جَاءَتْ بِهِ الْحُجَّةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَمَنْ نَوَّنَ (رَاعِنًا) نَوَّنَهُ بِقَوْلِهِ: {لَا تَقُولُوا} لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ عَامِلٌ فِيهِ. وَمَنْ لَمْ يُنَوِّنْهُ فَإِنَّهُ تَرَكَ تَنْوِينَهُ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَحْكِيٌ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ كَأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {رَاعِنَا} بِمَعْنَى مَسْأَلَتِهِ؛ إِمَّا أَنْ يُرْعِيهِمْ سَمْعَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَرْعَاهُمْ وَيَرْقُبَهُمْ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا قَدْ مَضَى؛ فَقِيلَ لَهُمْ: لَا تَقُولُوا فِي مَسْأَلَتِكُمْ إِيَّاهُ رَاعِنَا. فَتَكُونُ الدَّلَالَةُ عَلَى مَعْنَى الْأَمْرِ فِي (رَاعِنًا) حِينَئِذٍ سُقُوطُ الْيَاءِ الَّتِي كَانَتْ تَكُونُ فِي يُرَاعِيهِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهَا - أَعْنِي عَلَى الْيَاءِ السَّاقِطَةِ - كَسْرَةُ الْعَيْنِ مِنْ «رَاعِنَا» .
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ قِرَاءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ: (لَا تَقُولُوا رَاعُونَا) بِمَعْنَى حِكَايَةِ أَمْرٍ صَالِحَةٍ لِجَمَاعَةٍ بِمُرَاعَاتِهِمْ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ قِرَاءَتِهِ صَحِيحًا وُجِّهَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْمُ كَأَنَّهُمْ نُهُوا عَنِ اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ فِي خِطَابِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا كَانَ خِطَابُهُمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَلَا نَعْلَمُ ذَلِكَ صَحِيحًا مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي تَصِحُّ مِنْهُ الْأَخْبَارُ.