وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ: وَمَا يَعْلَمُ الْمَلَكَانِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمَا مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ حَتَّى يَقُولَا لَهُ: إِنَّمَا نَحْنُ بَلَاءٌ وَفِتْنَةٌ لِبَنِي آدَمَ فَلَا تَكْفُرْ بِرَبِّكَ
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ:"أُخِذَ الْمِيثَاقُ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُعَلِّمَا أَحَدًا حَتَّى يَقُولَا: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ، لَا يَجْتَرِئُ عَلَى السِّحْرِ إِلَّا كَافِرٌ"
وَأَمَّا الْفِتْنَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَإِنَّ مَعْنَاهَا الِاخْتِبَارُ وَالِابْتِلَاءُ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر المتقارب]
وَقَدْ فُتِنَ النَّاسُ فِي دِينِهِمْ ... وَخَلَّى ابْنُ عَفَّانَ شَرًّا طَوِيلَا
وَمِنْهُ قَوْلُهُ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ فِي النَّارِ: إِذَا امْتَحَنْتَهَا لِتَعْرِفَ جَوْدَتَهَا مِنْ رَدَاءَتِهَا، أَفْتِنُهُ فِتْنَةً وَفُتُونًا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ}
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا} خَبَرٌ مُبْتَدَأٌ عَنِ الْمُتَعَلِّمِينَ مِنَ الْمَلَكَيْنِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمَا، وَلَيْسَ بِجَوَابٍ لِقَوْلِهِ: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} بَلْ هُوَ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ؛ وَلِذَلِكَ رُفِعَ، فَقِيلَ: فَيَتَعَلَّمُونَ. فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ. فَيَأْبَوْنَ قَبُولَ ذَلِكَ مِنْهُمَا فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ.