والتأويل الثاني: وهو الأصح: أن الله تعالى امتحن الناس بالملكين فِي ذلك الوقت فمن شقى يتعلم السحر منهما [ويأخذه عنهما ويعمل به] فيكفر به ، ومن سعد يتركه فيبقى على الإيمان ، ويزداد المعلمان بالتعليم عذابا ، ففيه ابتلاء للمعلم [والمتعلم] ولله أن يمتحن عباده بما شاء ، فله الأمر والحكم.
قوله عز وجل {هَارُوتَ وَمَارُوتَ} اسمان سريانيان وهما فِي محل الخفض على تفسير الملكين إلا أنهما نصبا لعجمتهما ومعرفتهما ، وكانت قصتهما على ما ذكر ابن عباس والمفسرون (1) أن الملائكة رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة فِي زمن إدريس عليه السلام فعيروهم وقالوا: هؤلاء الذين جعلتهم فِي الأرض خليفة واخترتهم فهم يعصونك فقال الله تعالى: لو أنزلتكم إلى الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لركبتم مثل ما ركبوا فقالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نعصيك قال لهم الله تعالى: فاختاروا ملكين من خياركم أهبطهما إلى الأرض ، فاختاروا هاروت وماروت وكانا من أصلح الملائكة وأعبدهم ، وقال الكلبي: قال الله تعالى لهم: اختاروا ثلاثة فاختاروا عزا وهو هاروت وعزايا وهو ماروت - غير اسمهما لما قارفا الذنب - وعزائيل ، فركب الله فيهم الشهوة وأهبطهم إلى الأرض وأمرهم أن يحكموا بين الناس بالحق
(1) راجع ما قاله المحققون من المفسرين فِي رد هذه الروايات الإسرائيلية.