{يُعَلِّمُونَ النَّاسَ} قيل: معنى السحر العلم والحذق بالشيء قال الله تعالى"وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك" (49 - الزخرف) أي العالم ، والصحيح: أن السحر عبارة عن التمويه والتخييل ، والسحر وجوده حقيقة عند أهل السنة ، وعليه أكثر الأمم ، ولكن العمل به كفر ، حكي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: السحر يخيل ويمرض وقد يقتل ، حتى أوجب القصاص على من قتل به فهو من عمل الشيطان ، يتلقاه الساحر منه بتعليمه إياه ، فإذا تلقاه منه استعمله فِي غيره ، وقيل: إنه يؤثر فِي قلب الأعيان فيجعل الآدمي على صورة الحمار ويجعل الحمار على صورة الكلب ، والأصح أن ذلك تخييل قال الله تعالى:"يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى" (66 - طه) لكنه يؤثر فِي الأبدان بالأمراض والموت والجنون ، وللكلام تأثير فِي الطباع والنفوس وقد يسمع الإنسان ما يكره فيحمى ويغضب وربما يحم منه ،
وقد مات قوم بكلام سمعوه فهو بمنزلة العوارض والعلل التي تؤثر فِي الأبدان .
قوله عز وجل {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ} أي ويعلمون الذي أنزل على الملكين [أي إلهاما وعلما ، فالإنزال بمعنى الإلهام والتعليم ، وقيل: واتبعوا ما أنزل على الملكين]
وقرأ ابن عباس والحسن الملكين بكسر اللام ، وقال ابن عباس: هما رجلان ساحران كانا ببابل ، وقال الحسن: علجان (1) لأن الملائكة لا يعلمون السحر.
وبابل هي بابل العراق سميت بابل لتبلبل الألسنة بها عند سقوط صرح نمرود أي تفرقها ، قال ابن مسعود: بابل أرض الكوفة ، وقيل جبل دماوند ، والقراءة المعروفة على الملكين بالفتح. فإن قيل كيف يجوز تعليم السحر من الملائكة ؟ قيل: له تأويلان: أحدهما ، أنهما لا يتعمدان التعليم لكن يصفان السحر ويذكران بطلانه ويأمران باجتنابه ، والتعليم بمعنى الإعلام ، فالشقي يترك نصيحتهما ويتعلم السحر من صنعتهما.
(3) العلج: الرجل الضخم من كفار العجم.