فكان سليمان يكتب ذلك ويدفنه ، فنبت يوماً من الأيام نبات بين يديه فقال له سليمان: ما اسمك ؟ فقال: خرنوب.
فقال له: لأي دواء أنت ؟ فقال: إني لخراب المسجد.
فعلم سليمان أنه قد جاء أجله ، لأنه علم أن المسجد لا يخرب فِي حياته ، وكان له صحيفة فيها يكتب أسماء الأدوية ويضعها فِي الخزانة ، فكتبت الشياطين سحراً ووضعوه فِي ذلك الموضع ، فلما مات سليمان وجدوا ذلك فِي كتبه فاتبعه بعض الناس فذلك قوله: {وَمَا كَفَرَ سليمان ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلّمُونَ الناس السحر} .
ثم قال: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين} ، أي واتبعوا الذي أنزل على الملكين {بِبَابِلَ هاروت وماروت} .
وقال القاضي الخليل بن أحمد قال: حدثنا الماسرجي فقال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا حكام بن سلم الرازي قال: حدثنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن قيس بن عباد ، عن ابن عباس رضي الله عنهما فِي قوله تعالى: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين} .
قال: إن الناس بعد آدم وقعوا فِي الشرك ، واتخذوا هذه الأصنام ، وعبدوا غير الله تعالى ، فجعلت الملائكة يدعون عليهم ويقولون: ربنا خلقت عبادك فأحسنت خلقهم ، ورزقتهم فأحسنت رزقهم ، فعصوك وعبدوا غيرك.
فقال لهم الرب عز وجل: إنهم فِي عذر ، وقيل: فِي عيب فجعلوا لا يعذرونهم ولا يقبلون ويدعون عليهم.
فقال لهم الرب: اختاروا منكم اثنين.
فأهبطهما إلى الأرض فآمرهما وأنهاهما ، فاختاروا هاروت وماروت ؛ فأهبطهما الله تعالى إلى الأرض فأمرهما ونهاهما عن الزنى وقتل النفس وشرب الخمر ، فمكثا زماناً فِي الأرض يحكمان بالحق.
وكان فِي ذلك الزمان امرأة فضِّلت بالحسن على سائر النساء ، فأتيا عليها فخضعا لها بالقول وراوداها عن نفسها فقالت: لا حتى تصليا لهذا الصنم ، أو تقتلا هذه النفس ، أو تشربا هذه الخمر.
فقالا: أهون الثلاثة شرب الخمر.