صفاته والصادق مِن أسمائه، ووعد به وأوعد عليه فهو الحق اليقين.
(فصل)
مفهوم ما تقدم ذكره من قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ. .) فمفهوم هذا الخطاب أنه من
قدمت يداه خيرًا إيمانًا بالله ورسله، وطاعة لله ورسله، وأوفى على ذلك فتمني
الموت خير له؛ لأنه يصيره إلى ما عبر عنه قوله الحق: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ
مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47) . إن الموت للعالم المؤمن بالله جل ذكره الموقن
بالآخرة ميزان عدل على أعماله بسيئها وحسنها.
فلينظر العبد في جميع أفعاله، فكل عمل لا يندم عليه عند الموت متى فجأه
عليه فليستكثر منه وليلزمه، وما يخاف أن يندم عليه يومئذٍ؛ [وليستفرغ] جهده في
النزوع عنه ونبذه.
وميزان ثانٍ: يستعين به على ما هو بسبيله لينظر إلى كل عمل يكره أن يطلع
الناس عليه ظاهرًا كان أو باطنًا فليجتنبه، فالله أعظم اطلاعًا عليه وأكرم مشاهدة،
وكل عمل لو اطلع عليه العلماء بالله وصالحوا عباده فأحبوه منك وأحبوك من أجله
فالزمه، واحذر أن تتظاهر به إلا ما أمرت بإظهاره من ذلك، فالمؤمنون شهود الله في
الأرض.
وميزان ثالث: متى أردت أن تعلم ما لك عند الله فانظر ما لله جلَّ ذكره عندك،
فإن كنت راغبًا في التقرب منه وتزلف إليه فهو أسرع إلى ذلك منك، كذلك إن
رأيت أعمال السعادة والزيادة من الخيرات تتزيد منها، والشر ينتقص منك، والآخرة
مقبلة إليك بأعمالها والتأهب لها، متوجه إليها وجهك وعملك بها، والدنيا مدبرة في
قلبك، وهي خلِقة في نفسك وأنت عنها معرض، فاحمد الله وحده، وسله الإخلاص
من قلبك، وجد من عزمك إتمام نعمته عليك وليكن سرورك بما سبق لك عند الله
من ذلك أشد من سرورك بعملك.
وإن كنت ترى أعلام الشقاوة تترادف عليك بأن ترى خيرك ينقص وشرك
يزيد، والدنيا عليك مقبلة وأنت معظم لها مغتبط بها، قد ألهتك عن ربك، وقلبك
يزداد قسوة، فاعلم أن طريق الخير مغلق عن قلبك؛ وأبواب الشر مفتوحة إليك،
تسلك بك في طرقها.