إن الإيمان الصحيح بشيء هو الذي يدعو إلى الانسجام التام مع مقتضيات ذلك الإيمان، فمن آمن بالتوراة بحق، وجب عليه العمل بما فيها، والتزام أوامرها، واجتناب نواهيها، وهذا يدعوه أيضا إلى الإيمان بكل ما يؤيدها ويؤكدها ويقرر مضمونها، وقد جاء القرآن مصدقا لما في التوراة، فلزم الإيمان به، واتباع هديه.
أما اليهود في الماضي وفي عصر النّبوة فعجيب أمرهم، يدّعون الإيمان بالتوراة، وهي التي ترشد إلى توحيد الإله وعبادته، ثم يعبدون العجل ويتخذونه إلها، ويكفرون بآيات الله، ويخالفون الأنبياء، ويكفرون بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، وهذا أكبر الذنوب وأشد الأمور عليهم، إذ كفروا بخاتم الرسل وسيد الأنبياء والمرسلين المبعوث إلى الناس جميعا.
فكيف يدّعون الإيمان لأنفسهم، وقد فعلوا هذه الأفاعيل القبيحة من نقض الميثاق، والكفر بآيات الله، وعبادة العجل من دون الله؟.
ومع ذلك عفا الله عنهم وقبل توبتهم لما تابوا عن عبادة العجل، كما سبق في تعداد نعم الله عليهم.
حرص اليهود على الحياة
[سورة البقرة (2) : الآيات 94 إلى 96]
قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (96)
الإعراب:
خالِصَةً إما خبر كان، أو حال من الدَّارُ ويجعل عِنْدَ اللَّهِ خبر كان.
أَحَدُهُمْ الضمير يعود على اليهود وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ هو: ضمير مرفوع منفصل اسم «ما» وهو كناية عن أحد، وأَنْ يُعَمَّرَ في موضع رفع فاعل مزحزح كأنه قال:
ما أحدهم يزحزحه من العذاب تعميره.
البلاغة: