لقد كفر اليهود بالنعم التي أنعم الله بها عليهم كما بان في الآيات السابقة والتي كانت في أرض الميعاد، وكفروا أيضا بالآيات الواضحات والدلائل القاطعات التي جاء بها موسى، والتي تدل على أنه رسول الله، وأنه لا إله إلا الله. والآيات البينات: هي التي حدثت قبل الميعاد الذي نزلت فيه التوراة، وهي تسع كما قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ [الإسراء 17/ 101] ، وهي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد وفرق البحر والسّنون.
ولم تزدهم تلك الآيات إلا توغلا في الشرك والوثنية، ولم يشكروا نعم الله عليهم، وقابلوها باتخاذ العجل إلها يعبدونه من دون الله، والعجل: هو الذي صنعه لهم السامري من حليّهم، وجعلوه إلها وعبدوه. وهذا دليل على قسوة قلوبهم وفساد عقولهم، فلا أمل في هدايتهم، وهو ظلم ووضع للشيء في غير موضعه اللائق به، وأي ظلم أعظم من الإشراك بالله؟
واذكر يا محمد وقت أن أخذ عليهم الميثاق بأن يعملوا بما في التوراة ويأخذوا بما فيها بقوة، فخالفوا الميثاق وأعرضوا عنه، حتى رفع الطور عليهم إرهابا لهم، فقبلوه، ثم خالفوه وكأنهم قالوا: سمعنا وعصينا، ثم أوغلوا في المخالفة ووقعوا في الشرك، واتخذوا العجل إلها، وخالط حبه قلوبهم، وتمكن الحب الشديد لعبادة العجل في نفوسهم، بسبب ما كانوا عليه من الوثنية في مصر.
قل يا محمد لليهود الحاضرين، بعد أن علموا أحوال رؤسائهم السالفين: إن
كان إيمانكم بالتوراة يدعوكم إلى هذا، فبئس هذا الإيمان الذي يوجه إلى هذه الأعمال التي تفعلونها، مثل عبادة العجل، وقتل الأنبياء، ونقض الميثاق.
وهاتان الآيتان ردّ على اليهود الذين لم يؤمنوا بالنبيّ محمد صلّى الله عليه وسلّم، وزعموا أنهم مؤمنون بالتوراة دون غيرها، فهم في الواقع لم يؤمنوا بشيء، لا بالتوراة ولا بالقرآن، فاستحقوا التوبيخ والتقريع.
فقه الحياة أو الأحكام: