قوله: (والسين للمبالغة) إلى آخره. قال القطب: أي لما كان يستفحون بمعنى يفتتحون، فلابد أن يكون للسين فائدة وهي المبالغة، لأنهم فتحوا بعد طلبه من أنفسهم، والشيء بعد الطلب أبلغ وهو من باب التجريد، جرد وامن أنفسهم أشخاصا وسألوهم الفتح. كقولهم: مر مستعجلا، أي مر طالبا للعجلة من نفسك مكلفا إياها.
قوله: (ويجوز أن تكون للجنس ويدخلون فيه دخولاً أوليا) ، قال أبو حيان: يعني بالجنس العموم وتخيله أنهم يدخلون فيه دخولاً أوليا ليس بشيء ، لأن دلالة العموم على أفراده ليس فيها بعض الأفراد أولى من بعض، وإنما هي دلالة على كل فرد فرد، فهي دلالة متساوية وإذا كانت
دلالة متساوية فليس فيها شيء أول ولا أسبق من شيء ، وجوابه: ما قاله القطب: أن معناه، أنهم المقصودون بالذات وإن تناول الكلام لغيرهم على طريق التبع.
وبسطه الطيبي فقال: دخولهم فِي هذا الكلام دخول قصدي، لأن الكلام سيق بالأصالة فيهم وهو من باب الكناية، لأن اللعنة إذا اشتملت على الكافرين بأسرهم وهؤلاء منهم فيلزم أن يلحقهم على البت والقطع، وهو أقوى مما لو قيل عليهم، وتسمى هذه الكنابة إيمائية، وإنما يصار إليها إذا كان الموصوف مبالغا فِي ذلك الوصف ومنهمكا فيه بحيث إذا ذكر خطر ذلك الوصف بالبال، نحو قولهم: لمن يصر على رذيلة: أنا إذا رأيتك خطر ببالي سبك وسب كل من هو بصددك وأبناء جنسك. واليهود لما بالغوا فِي الكفر والعناد ونعى الله عليهم ذلك صار الكفر كأنه صفة غير مفارقة لذكرهم، فكان هذا الكلام لازما لذكرهم ورديفه، وأنهم أولى الناس دخولاً فيه لكونهم تسببوا لاستجلاب هذا القول فِي غيرهم وبذلوا أنفسهم فيه، وأنشد صاحب المفتاح فِي هذا المعنى:
إذا الله لم يسق إلا الكرام .... فسقى وجوه بني حنبل
وقال: إنه فِي إفادة كرم بنى حنبل، كما ترى لا خفاء فيه. انتهى.