وَكَذَلِكَ حُبُّ الْوَالِدَيْنِ لِلْوَلَدِ لَيْسَتْ عِلَّتُهُ - كَمَا يَقُولُ النَّاسُ - كَوْنَهُ جُزْءًا مِنْهُمَا وَفِلْذَةَ كَبِدِهِمَا ، هَذَا كَلَامٌ شِعْرِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ أَيْضًا ، فَإِنَّ جِسْمَ الْإِنْسَانِ مُرَكَّبٌ مِنَ الْأَغْذِيَةِ النَّبَاتِيَّةِ وَالْحَيَوَانِيَّةِ ، فَلَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ صَحِيحَةً ، لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُحِبَّ الْحِنْطَةَ وَالْغَنَمَ أَكْثَرَ مِمَّا يُحِبُّ وَالِدَيْهِ ، وَإِنَّمَا لِحُبِّ الْوَالِدَيْنِ الْوَلَدَ مَنْبَعَانِ: (أَحَدُهُمَا) : حَنَانٌ فِطْرِيٌّ أَوْدَعَهُ اللهُ - تَعَالَى - فِيهِمَا لِإِتْمَامِ حِكْمَتِهِ (وَثَانِيهُمَا) : مَا جَرَتْ بِهِ سُنَّةُ الْبَشَرِ مِنَ
التَّفَاخُرِ بِالْأَوْلَادِ ، وَمِنَ الْأَمَلِ بِالِاسْتِفَادَةِ مِنْهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَلَيْسَتِ الْفَائِدَةُ مَحْصُورَةً فِي الْمَالِ وَالْعَوْنِ عَلَى الْمَعِيشَةِ ، وَإِنَّمَا تَتَنَاوَلُ الشَّرَفَ وَالْجَاهَ أَيْضًا .
وَكَمْ أَبٍ قَدْ عَلَا بِابْنٍ لَهُ شَرَفًا ... كَمَا عَلَا بِرَسُولِ اللهِ عَدْنَانُ
وَلَمَّا كَانَ حُبُّ الْوَالِدَيْنِ لِلْأَوْلَادِ بِمَكَانَةٍ مِنَ الْقُوَّةِ لَا يُخْشَى زَوَالُهَا ، تَرَكَ النَّصَّ عَلَى الْإِحْسَانِ بِهِمْ وَثَنَّى بِالْإِحْسَانِ بِمَنْ دُونَهُمْ فِي النَّسَبِ ، فَقَالَ: (وَذِي الْقُرْبَى) .