والخطاب فِي {تعلم} ليس مراداً منه ظاهره الواحد وهو النبيء صلى الله عليه وسلم بل هو إما خطاب لغير معين خارج على طريقة المجاز بتشبيه من ليس حاضراً للخطاب وهو الغائب منزلة المخاطب فِي كونه بحيث يصير مخاطباً لشهرة هذا الأمر والمقصد من ذلك ليعم كل مخاطب صالح له وهو كل من يظن به أو يتوهم منه أنه لا يعلم أن الله على كل شيء قدير ولو بعدم جريانه على موجب علمه، وإلى هذه الطريقة مال القطب والطيبي من شراح"الكشاف"وعليها يشمل هذا الخطاب ابتداء اليهود والمشركين ومن عسى أن يشتبه عليه الأمر وتروج عليه الشبهة من ضعفاء المسلمين، أما غيرهم فغني عن التقرير فِي الظاهر وإنما أدخل فيه ليسمع غيره.
وإما مراد به ظاهره وهو الواحد فيكون المخاطب هوالنبيء صلى الله عليه وسلم لكن المقصود منه المسلمون فينتقل من خطاب النبيء إلى مخاطبة أمته انتقالاً كنائياً لأن علم الأمة من لوازم علم الرسول من حيث إنه رسول لزوماً عرفياً فكل حكم تعلق به بعنوان الرسالة فالمراد منه أمته لأن ما يثبت له من المعلومات فِي باب العقائد والتشريع فهو حاصل لهم فتارة يراد من الخطاب توجه مضمون الخطاب إليه ولأمته وتارة يقصد منه توجه المضمون لأمته فقط على قاعدة الكناية فِي جواز إرادة المعنى الأصلي مع الكنائي، وههنا لا يصلح توجه المضمون للرسول لأنه لا يقرر على الاعتراف بأن الله على كل شيء قدير فضلاً عن أن ينكر عنه وإنما التقرير للأمة، والمقصد من تلك الكناية التعريض باليهود.
وإنما سلك هذا الطريق دون أن يؤتى بضمير الجماعة المخاطبين لما فِي سلوك طريق الكناية من البلاغة والمبالغة مع الإيجاز فِي لفظ الضمير.
والاستفهام تقريري على الوجهين وهو شأن الاستفهام الداخل على النفي كما تقدم عند قوله: {ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض} [البقرة: 33] أي إنكم تعلمون أن الله قدير وتعلمون أنه مالك السماوات والأرض بما يجري فيهما من الأحوال، فهو ملكه أيضاً فهو يصرف الخلق كيف يشاء.
وقد أشار فِي"الكشاف"إلى أنه تقريري وصرح به القطب فِي"شرحه"ولم يسمع فِي كلام العرب استفهام دخل على النفي إلا وهو مراد به التقرير. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 636 - 647}