قلوبهم ليس فيها استعداد لقبول ماجاءَ به النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد كذبوا، فإنه دين الفطرة، فلو تركوا فطرتهم - كما خلقت عليه - لقبلته وآمنت به، ولكنهم أساءُوا الاختيار، ففسدت فطرتهم.
ولهذا رد الله تعالى عليهم بقوله: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ} .
و (بل) هنا للإضراب الإبطالى , ورد ما يقولون , أَي: ليس الأمر كما زعموا , بل ابعدهم الله عن رحمته، بأَن خذلهم وتركهم وشأنهم، بسبب إصرارهم على الكفر، لسوءَ اختيارهم الذي أبطلوا به استعدادهم الفطرى لقبول الهدى، فاستحقوا بذلك أن يحرمهم الله من لطفه ورحمته. {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} ثم ختم الآية بالنتيجة فقال: {فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} الفاء في {فَقَلِيلًا} أفادت ترتب ما بعدها - وهو قلة إِيمانهم - على ما قبلها، وهو لعن الله لهم. وقليلا صفة لمحذوف، و (ما) ؛ صلة لتأْكيد القلة، وليست نافية. أَي: فإيمانا قليلًا يؤْمنون. والمقصود من القلة العدم، أَي. لا يؤْمنون أصلا، لأَن الإيمان الشرعي لا يتجزأُ فإيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم بالبعض الآخر. لا يعتبر إيمان بل كفرا، واستعمال القِلَّة بمعنى العدم معروف في لغة العرب، يقولون: هذا شيء قلما ينفع , يريدون أَنه لا ينفع أصلا.
89 - {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ ... } الآية.
وهذا نوع آخر من ضلالات اليهود الذين كانوا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أنه لما جاءَهم كتاب منزل من الله - وهو القرآن مصدق للتوراة التي معهم, في التوحيد وأصول الدين، وموافق لها فما يختص ببعث النبي - صلى الله عليه وسلم - {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} : وكانوا - قبل مجيئة - يستنصرون على أعدائهم من المشركين، بالنبي المبعوث في آخر الزمان، قائلين: اللهم أنصرنا عليهم
بالنبي الذي نجد نعته في التوراة. ويقولون لهم: قد أطل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا. فنقتلكم به قتل عاد وإرم.
{فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} : تكرير للشرط الأول في قوله {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ}