مسوق لبيان حكمة النسخ والإتيان بالخير والمثل بياناً غير مفصل على طريقة الأسلوب الحكيم ، وذلك أنه بعد أن فرغ من التنبيه على أن النسخ الذي استبعدوه وتذرعوا به لتكذيب الرسول هو غير مفارق لتعويض المنسوخ بخير منه أو مثله أو تعزيز المبقى بمثله أريد أن ينتقل من ذلك إلى كشف ما بقي من الشبهة وهي أن يقول المنكر وما هي الفائدة فِي النسخ حتى يحتاج للتعويض ؟ وكان مقتضى الظاهر أن يتصدى لبيان اختلاف المصالح ومناسبتها للأحوال والأعصار ولبيان تفاصيل الخيرية والمثلية فِي كل ناسخ ومنسوخ.
ولما كان التصدي لذلك أمراً لم تتهيأ له عقول السامعين لعسر إدراكهم مراتب المصالح وتفاوتها ، لأن ذلك مما يحتاج إلى تأصيل قواعد من أصول شرعية وسياسية ، عدل بهم عن بيان ذلك وأجملت لهم المصلحة بالحوالة على قدرة الله تعالى التي لا يشذ عنها ممكن مراد ، وعلى سعة ملكه المشعر بعظيم علمه ، وعلى حاجة المخلوقات إليه إذ ليس لهم رب سواه ولا ولي دونه وكفى بذلك دليلاً على أنه يحملهم على مصالحهم فِي سائر الأحوال.
ومما يزيد هذا العدول توجيهاً أن التصدي للبيان يفتح باب الجدال فِي إثبات المصلحة وتفاوت ذلك بحسب اختلاف القرائح والفهوم.
ولأن أسباب التشريع والنسخ أقسام ، منه ما ظهر وجهه بالنص فيمكن إفهامهم إياه نحو قوله: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العدواة والبغضاء فِي الخمر والميسر} [المائدة: 91] الآية بعد قوله: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء: 43] الآية ونحو {وعلم أن فيكم ضعفاً} [الأنفال: 66] الآية.
ومنها ما يعسر إفهامهم إياه لأنه يحتاج إلى علم وتفصيل من شأن المشرعين وعلماء الأصول كالأشياء التي عرفت بالقياس وأصول التشريع.
ومنها ما لم يطلع على حكمته فِي ذلك الزمان أو فيما يليه ، ولما كان معظم هاته التفاصيل يعسر أو يتعذر إفهامهم إياه وقع العدول المذكور.
ولكون هاته الجملة تتنزل منزلة البيان للأولى فصلت عنها.