وقوله تعالى بعد هذا: « الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ » (66: الأنفال) .
وليس بين الآيتين تعارض ، أو تناسخ ، وإن عرضا لأمر واحد ، واختلف منطوق الحكم فيهما.
فالآية الأولى تفرض على المؤمنين حكما فِي فيها حال هم أهل للوفاء بهذا الحكم ، لما فيهم من قوة إيمان وثبات يقين .. فإذا كانوا فِي تلك الحالة كان واجبا عليهم إذا التقوا فِي ميدان الحرب بأعدائهم من الكافرين - أن يثبت العشرون منهم لمئتين من أعدائهم ، وأن تثبت المائة للألف.
فلما أن وقع الضعف فِي المسلمين ، حين كثر عددهم ، ودخل فيهم من دخل ، وليس فيهم ما فِي هؤلاء النفر القليل الكرام ، الذين سبقوا إلى الإسلام ، من كرم المعدن ، وصفاء الجوهر ، والتعرّف على الحق ، والبدار إليه - لمّا أن كان هذا من أمر المسلمين ، خفف اللّه عنهم ، وجعل أمرهم يسرا ، ففرض عليهم ألّا تفرّ المائة من المائتين ، ولا الألف من الألفين.
وانظر كيف كانت أعداد المسلمين فِي الآية الأولى. « عشرون » و « مئة » ثم أصبحت فِي الآية الثانية هكذا: « مئة » و « ألفا » .
.وإن ذلك ليكشف عن المعنى الذي أشرت إليه من قبل ، وهو أن الضعف الذي عرض للمسلمين فِي هذا الوقت المبكر من الدعوة الإسلامية ، وفى عهد النبوة ، لم يكن من جهة المسلمين السابقين إلى الإسلام ، فهؤلاء كانوا كلما مرّت بهم الأيام فِي الإسلام ، وفى صحبة الرسول ، ازدادوا إيمانا مع إيمانهم ، ولكن الضعف الذي وقع ، كان على مجموع المسلمين ، حين كثر عدد الداخلين فِي الإسلام ،