رابعا: القول بألا نسخ فِي القرآن:
يرى عدد غير قليل من العلماء أن النسخ فِي القرآن ليس نسخا بمعنى إزالة الحكم ، كما ذهب إلى ذلك القائلون بالنسخ .. وإنما هو نسأ وتأخير ، أو مجمل أخّر بيانه ، أو خطاب قد حال بينه وبين أوله خطاب غيره ، أو مخصوص من عموم ، أو حكم عام لخاص ، أو لمداخلة معنى فِي معنى. وأنواع الخطاب كثيرة ، فظنوا - أي القائلون بالنسخ - أن هذا نسخا ، وليس به ، وإنه - أي القرآن - الكتاب المهيمن على غيره ، وهو نفسه متعاضد » « 1 » .
وبهذا التحقيق يتبين ضعف ما لهج به كثير من المفسّرين فِي الآيات الآمرة بالتخفيف من أنها منسوخة بآية السيف.
والواقع أنها ليست كذلك ، بل هي من النّسأ ، بمعنى أن كل أمر يجب امتثاله فِي وقت ما ، لعلّة توجب ذلك الحكم ، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر ، وليس بنسخ ، إذ النسخ معناه الإزالة.
وتطبيقا لهذا الرأي ، نجد ألا تعارض ، ولا تناسخ بين الآيات التي تختلف أحكامها فِي الأمر الواحد ، إذ أن كل حكم محكوم بحال خاصة به ، مقدرة له ، وعلة تدور معه وجودا وعدما.
فمثلا .. قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ » (65: الأنفال) .
(1) انظر البرهان فِي علوم القرآن للزركشي: جزء 2 ص 44.