ثم لا يخفى أن ما تقدم من التعميم مبني على جواز النسخ بلا بدل وجواز نسخ الكتاب بالسنة وهو المذهب المنصور ومن الناس من منع ذلك ومنع النسخ ببدل أثقل أيضاً ، واحتج بظاهر الآية ، أما على الأول: فلأنه لا يتصور كون المأتي به خيراً أو مثلاً إلا فِي بدل ، وأما على الثاني: فلأن الناسخ هو المأتي به بدلاً وهو خير أو مثل ، ويكون الآتي به هو الله تعالى ، والسنة ليست خيراً ولا مثل القرآن ولا مما أتى به سبحانه وتعالى ، وأما على الثالث: فلأن الأثقل ليس بخير من الأخف ولا مثلاً له ، ورد ذلك أما الأول والثالث فلأنا لا نسلم أن كون المأتي به خيراً أو مثلاً لا يتصور إلا فِي بدل وأن الأثقل لا يكون خيراً من الأخف إذ الأحكام إنما شرعت والآيات إنما نزلت لمصالح العباد وتكميل نفوسهم فضلاً منه تعالى ورحمة وذلك يختلف باختلاف الأعصار والأشخاص كالدواء الذي تعالج به الأدواء فإن النافع فِي عصر قد يضر فِي غيره والمزيل علة شخص قد يزيل علة سواه فأذن قد يكون عدم الحكم أو الأثقل أصلح فِي انتظام المعاش وأنظم فِي إصلاح المعاد والله تعالى لطيف حكيم ، ولا يرد أن المتبادر من {نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا} بآية خير منها وإن عدم الحكم ليس بمأتي به لما أن الخلاف فِي جواز النسخ بلا بدل ليس فِي إتيان اللفظ بدل الآية الأولى بل فِي الحكم كما لا يخفى على من راجع الأصول وأما الثاني فلأنا لا نسلم حصر الناسخ بما ذكر إذ يجوز أن يعرف النسخ بغير المأتي به فإن مضمون الآية ليس إلا أن نسخ الآية يستلزم الإتيان بما هو خير منها أو مثل لها ، ولا يلزم منه أن يكون ذلك هو الناسخ فيجوز أن يكون أمراً مغايراً يحصل بعد حصول النسخ وإذا جاز ذلك فيجوز أن يكون الناسخ سنة والمأتي به الذي هو خير أو مثل آية أخرى ، وأيضاً السنة مما أتى به الله سبحانه لقوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يوحى} [النجم: 3 ، 4] وليس المراد بالخيرية