وأما قوله تعالى {وإذ أخذنا ميثاقكم} فقيل: خطاب لعلماء اليهود فِي عصر النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل: المراد أخذنا ميثاق آبائكم . وقيل: خطاب للأسلاف وتقريع للأخلاف . وفي قوله {لا تسفكون دماءكم} إشكال ، وهو أن الإنسان ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه فأي فائدة فِي النهي؟ والجواب أن هذا الإلجاء قد يتغير كما ثبت من أهل الهند أنهم يقدرون فِي قتل النفس التخلص من عالم الفساد واللحوق بعالم النور ، وككثير ممن يصعب عليه الزمان ، أو المراد لا يفعل ذلك بعضكم ببعض جعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به أصلاً أو ديناً ، أو أنه إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه ، أو لا تتعرضوا لمقاتلة من يغلبكم فتكونوا قد قتلتم أنفسكم . {ولا تخرجون أنفسكم} لا تفعلوا ما تستحقون بسببه أن تخرجوا من دياركم . والمراد إخراج بعضهم بعضاً من ديارهم لأن ذلك مما تعظم فيه الفتنة حتى يقرب من الهلاك . وإعراب {لا تسفكون} و {لا تخرجون} على قياس ما تقرر فِي {لا تعبدون} {ثم أقررتم وأنتم تشهدون} أي ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه ، وأنتم تشهدون عليها كقولك"فلان مقر على نفسه بكذا شاهد عليها"أو اعترفتم بقبوله وشهد بعضكم على بعض بذلك ، لأنه كان شائعاً فيما بينهم مشهوراً ، وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق .