قال ابن الجوزي: وأما دعوى من ادعى أن موسى - عليه السلام - أخبر أن شريعته لا تنسخ فمحال ويقال: إن ابن الراوندي (2) علَّمهم أن يقولوا: إن موسى قال: لا نبي بعدي.
ويدل على ما قلنا: أنه لو صح قولهم لما ظهرت المعجزات على يد عيسى - عليه السلام - لأن الله تعالى لا يصدق بالمعجزة من كذب موسى، فإن أنكروا معجزة عيسى لزمهم ذلك في معجزة موسى، فإن اعترفوا ببعض معجزاته لزمهم تكذيب من نقل عن موسى - عليه السلام - لأنه قال: لا نبي بعدي.
قال الآمدي: وما ذكروه من قول موسى، فمختلق لم تثبت صحته عن موسى - عليه السلام -.
وقد قيل: إن أول من وضع ذلك لهم ابن الراوندي؛ ليعارض به دعوى الرسالة من محمد - صلى الله عليه وسلم -، لما ظهر من تسمحه في الدين.
الوجه الثاني: أن اليهود ما كانوا يحتجون على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - بشيء من هذا خاصةً من أسلم منهم، فلو كانت هذه الدعوى صحيحة لحاجُّوا بها أفضل الرسل - صلى الله عليه وسلم -.
قال ابن الجوزي: ومما يدل على كذبهم فيما ادعوا أن اليهود ما كانوا يحتجون على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - بكل شيء، وكان نبينا مصدقًا لموسى - عليه السلام -، وحكم عليهم بالرجم عملًا بما في
شريعة موسى فهلا احتجوا عليه بذلك، ولو احتجوا لشاع نقل ذلك فدلى على أنه قول ابتُدع بعد نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -.
قال الآمدي: ويدل على ذلك أن أحبارهم ككعب الأحبار، وابن سلام، ووهب بن منبه وغيرهم كانوا أعرف من غيرهم بما في التوراة، وقد أسلموا ولم يذكروا شيئًا من ذلك: ولو كان ذلك صحيحًا لكان من أقوى ما يتمسك به اليهود في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - في معارضته، ولم ينقل عنهم شيء من ذلك، ثم إنهم مختلفون في نفس متن الحديث، فإن منهم من قال الحديث: إن أطعتموني لما أمرتكم به، ونهيتكم عنه، ثبت ملككم، كما ثبتت السموات والأرض. وليس في ذلك ما يدل على إحالة النسخ.
الوجه الثالث: على القول بصحته فلا تعارض.