قال الآمدي: وإن سلمنا صحة ما نقلوه، فيحتمل أنه أراد بالشريعة؛ التوحيد. ويحتمل أنه أراد بقوله (مؤبدة) ما لم تنسخ بشريعة نبي آخر، ومع احتمال هذه التأويلات، فلا يعارض قوله ما ظهر على يد النبي - صلى الله عليه وسلم - من المعجزات القاطعة الدالة على صدقه في دعواه الرسالة ونسخ شريعة من تقدم.
الوجه الرابع: التأبيد في التوراة لم يرد به الدوام.
قال الآمدي: كيف وإنَّ لفظ التأبيد قد ورد في التوراة، ولم يرد به الدوام، كقوله: إن العبد يستخدم ست سنين، ثم يعتق في السابعة، فإن أبى العتق، فلتثقب أذنه ويستخدم أبدًا. وكقوله في البقرة التي أُمِروا بذبحها: هذه سنة لكم أبدًا، وكقوله: قربوا كل يوم خروفين قربانا دائمًا، (هذه سنة لكم أبدًا) وكقوله: (قربوا كل يوم خروفين قربانًا دائمًا) ، مع أن هذه الأحكام قد نسخت باعتراف اليهود أنفسهم، على رغم التصريح فيها بما يفيد
التأبيد كما ترى.
الوجه الخامس: زعمهم أن التوراة محفوظة في أيديهم كلام باطل.
إننا لا نسلم لهم ما زعموه من أن التوراة لم تزل محفوظة في أيديهم حتى يصح استدلالهم بها؛ بل الأدلة متضافرة على أن التوراة الصحيحة لم يعد لها وجود، وأنه أصاب من التغيير والتبديل ما جعلها في خبر كان.
من تلك الأدلة أن نسخة التوراة التي بأيدي السامريين تزيد في عمر الدنيا نحوًا من ألف سنة على ما جاء في نسخة العنانيين، وأن نسخة النصارى تزيد ألفًا وثلاثمائة سنة.
ومنها أنه جاء في بعض نسخ التوراة ما يفيد أن نوحًا أدرك جميع آبائه إلى آدم، وأنه أدرك من عهد آدم نحوًا من مائتي سنة، وجاء في بعض نسخ أخرى ما يفيد أن نوحًا أدرك من عمر إبراهيم ثمانيًا وخمسين سنة وكل هذا باطل تاريخيًا.
ومنها أن نسخ التوراة التي بأيديهم تحكي عن الله وعن أنبيائه وملائكته أمورًا ينكرها العقل ويمجها الطبع ويتأذى بها السمع مما يستحيل معه أن يكون هذا الكتاب صادرًا عن نفس بشرية مؤمنة طاهرة فضلًا عن أن ينسب إلى ولي فضلًا عن أن ينسب إلى نبي فضلًا عن أن ينسب إلى الله رب العالمين.