قال ابن حزم: الفرق بينهما لائح وهو: أن البداء هو أن يأمر بالأمر، والآمر لا يدري ما يؤول إليه الحال، والنسخ هو أن يأمر بالأمر والآمر يدري أنه سيحيله في وقت كذا ولا بد، قد سبق ذلك في علمه وحتمه من قضائه، فلما كان هذان الوجهان معنيين متغايرين مختلفين، وجب ضرورة أن يعلق على كل واحد منها اسم يعبر به عنه غير اسم الآخر؛ ليقع التفاهم، ويلوح الحق، فالبداء ليس من صفات الباري تعالى، ولسنا نعني الباء والدال والألف، وإنما نعني المعنى الذي ذكرنا من أن يأمر بالأمر لا يدري ما عاقبته، فهذا مبعد من الله - عز وجل -، وسواء سموه نسخا أو بداء أو ما أحبوا. وأما النسخ فمن صفات الله تعالى من جهة أفعاله كلها، وهو القضاء بالأمر قد علم أنه سيحيله بعد مدة معلومة عنده - عز وجل -، كما سبق في علمه تعالى.
ولسنا نكابر على النون والسين والخاء، وإنما نعني المعنى الذي بينّا، وسواء سموه نسخًا أو بداء أو ما أحبوا من الأسماء، ولكن اسمه عندنا النسخ، وبهذه العبارة نعبر عن هذا المعنى الذي لا يخلو لله تعالى فعل منه أصلًا في دار الابتلاء، وكل شيء منها كائن فاسد، وهذا هو النسخ، وهو نوع من أنواع الكون والفساد الجاريين في طبيعة العالم بتقدير خالقه ومخترعه ومدبره ومتممه لا إله إلا هو.
واسم الصفة الأولى عندنا البَدَاء، فيها يعبر عن هذا المعنى الذي هو من صفات المختارين من الإنس والجن وسائر الحيوان، وهو خلق مذموم؛ لأنه نتيجة الملل والندم والسآمة، وهذه الأخلاق منفية عن الملائكة بنص القرآن، فكيف عن الباري تعالى.
الوجه الثاني: الرد على بعض الشبهات حول النسخ في القرآن.
الشبهة الأولى:
قالوا: بأن النسخ يتعارض مع قوله تعالى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت: 42] ، حيث إن هذه الآية تفيد أن أحكام القرآن لا تبطل أبدًا، والنسخ فيه إبطال لحكم سابق.
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: بيان معنى الآية.
الآية تحتمل عدة معانٍ:
الأول: أي: لا يستطيع الشيطان أن ينقص منه حقا، ولا يزيد فيه باطلا قالوا: والباطل هو الشيطان.